الصحراء المغربية.. منعطف دبلوماسي جديد يعزز موقع الرباط ويدفع بمبادرة الحكم الذاتي إلى الواجهة

✍️ صليحة بجراف

لم يعد ملف الصحراء المغربية مجرد قضية تتداولها أروقة الأمم المتحدة في اجتماعات دورية وقرارات متكررة، بل أصبح عنوانا لتحولات دبلوماسية متسارعة تعكس تغير طبيعة النقاش الدولي حول سبل إنهاء هذا النزاع الإقليمي، في ظل الحضور المتزايد للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أرضية سياسية لتسوية واقعية ودائمة.

وتأتي التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن لتعيد طرح سؤال جوهري بشأن جدوى استمرار الآليات الأممية التي ظلت قائمة لعقود دون أن تنجح في وضع حد للنزاع، خصوصا أن بعثة المينورسو، التي أحدثت سنة 1991، لم تتمكن من تنظيم الاستفتاء الذي ارتبط بتأسيسها، بسبب الخلافات السياسية والقانونية التي أحاطت بمختلف مراحل هذا المسار.

وبالنسبة للمغرب، فإن المرحلة الحالية تشكل مناسبة للتأكيد على أن الحل لا يمكن أن يظل رهين مقاربات تجاوزها الزمن، وأن إنهاء هذا النزاع يتطلب إرادة سياسية تتجه نحو المستقبل، بدل الاستمرار في إعادة إنتاج خلافات لم تحقق تقدماً ملموساً على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

وقد نجحت الدبلوماسية المغربية، خلال السنوات الأخيرة، في جعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تحظى باهتمام دولي متزايد، مستفيدة من وضوح تصورها السياسي وما توفره من إمكانيات لتدبير الشؤون المحلية للأقاليم الجنوبية، مع الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.

كما عزز قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 مكانة هذه المبادرة ضمن مسار البحث عن تسوية سياسية، من خلال الدعوة إلى مواصلة المفاوضات على أساس المقترح المغربي.

وتكمن أهمية هذا التحول في أنه يعكس انتقال النقاش تدريجيا نحو البحث عن صيغة عملية لإنهاء النزاع، بدل البقاء أسير تصورات متباعدة لم تستطع تقريب وجهات النظر. فالمغرب يقدم الحكم الذاتي باعتباره خيارا يتيح لسكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم في إطار مؤسسات منتخبة واختصاصات محددة، مع صيانة السيادة الوطنية والوحدة الترابية.

كما أن التحولات التي عرفتها مواقف عدد من العواصم الدولية تعكس اتساع الاهتمام بالمقاربة المغربية، وتؤكد أن معالجة هذا الملف باتت ترتبط بصورة متزايدة باعتبارات الاستقرار الإقليمي والتنمية والتعاون بين دول المنطقة.

أما التطورات الأخيرة المتعلقة بولاية المينورسو، فلا ينبغي فصلها عن النقاش الأوسع حول مستقبل المسار الأممي، خاصة أن عدم اعتماد مشروعي القرار داخل مجلس الأمن لا يمثل، في حد ذاته، تسوية نهائية للنزاع أو إنهاء تلقائيا لدور الأمم المتحدة. غير أنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تفرض مراجعة آليات التدبير والبحث عن أرضية سياسية أكثر فعالية.

وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب التعبير عن تمسكه بمبادرة الحكم الذاتي، تظل مسؤولية الأطراف المعنية قائمة في الانخراط في مسار سياسي جاد، بعيدا عن التصعيد والمواقف التي تعرقل فرص التسوية. فالاستقرار في المنطقة المغاربية يظل مرتبطا بإنهاء الخلافات القائمة وبناء علاقات قائمة على حسن الجوار والتعاون والمصالح المشتركة.

وبالتوازي مع التحرك الدبلوماسي، تواصل الأقاليم الجنوبية تسجيل حضور متزايد في المشاريع التنموية والاستثمارات والبنيات التحتية، في إطار رؤية تستهدف تعزيز مكانتها الاقتصادية والاجتماعية وربطها بمحيطها الإفريقي والدولي. وهي أبعاد تمنح المقاربة المغربية مضمونا يتجاوز النقاش السياسي إلى رهانات التنمية وتحسين ظروف عيش السكان.

إن المرحلة الراهنة تضع الدبلوماسية المغربية أمام فرصة لمواصلة تعزيز مكتسباتها، ليس فقط من خلال توسيع دائرة الدعم الدولي، وإنما أيضا عبر الدفع نحو ترجمة هذا الدعم إلى مسار تفاوضي واضح يفضي إلى حل نهائي. فبالنسبة للمملكة، لم يعد الرهان مقتصرا على الدفاع عن موقفها داخل المحافل الدولية، بل أصبح مرتبطاً بإنهاء نزاع طال أمده وفتح آفاق جديدة للتنمية والاستقرار والتكامل المغاربي.

وبين تعثر المقاربات السابقة وتزايد الاهتمام الدولي بمبادرة الحكم الذاتي، تواصل المملكة الدفاع عن تصورها لتسوية ملف الصحراء المغربية، انطلاقا من قناعة مفادها أن الحل السياسي الواقعي هو السبيل إلى طي هذا النزاع، وتوجيه المنطقة نحو مستقبل يسوده الاستقرار والتعاون والتنمية.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
 ⟲    ➴