إلغاء تقاعد البرلمانيين والوزراء وتخفيض أجورهم… رفقا بأصحاب المعالي وأبنائهم! واش بغيتوهم يرجعوا يحسبوا مصروفهم ويقلبوا على حوايج “البال” ويفكروا حتى في أثمنة اللحم والبطاطا؟!

✍️ صليحة بجراف

يبدو أن بعض المطالب الشعبية بدأت تشكل خطرا حقيقيا على الاستقرار المعيشي والنفسي لأصحاب المناصب والامتيازات!. فبعد تصاعد الأصوات، خاصة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، المطالبة بتخفيض أجور الوزراء والبرلمانيين وكبار المسؤولين وإلغاء تقاعدتهم، أصبح من الضروري، ومن باب الإنصاف والرحمة طبعا، أن نتوقف قليلا ونفكر في مصير هؤلاء بعد انتهاء مهامهم.

واش هكذا بكل بساطة.. خمس سنوات من الاجتماعات والتشريفات والبروتوكولات والامتيازات، ثم نخبرهم بكل برودة أعصاب، انتهت الولاية، شكرا، وعليكم الآن تدبير شؤونكم بأنفسكم..

ألم تفكروا في صعوبة الانتقال المفاجئ من عالم الامتيازات والرفاهية إلى واقع الحياة اليومية؟.

وهل من السهل أن يتخلى المرء، بين عشية وضحاها، عن نمط من العيش اعتاد عليه طوال خمس سنوات؟.

تخيلوا برلمانيا دخل المؤسسة التشريعية ببدلة بسيطة، وربما لم تكن إمكانياته المادية تسمح له بأكثر من ذلك، بل ربما اضطر إلى استعارة كوستيم يليق بالمقام في أول ظهور له تحت قبة البرلمان، ثم وجد نفسه، مع مرور الأيام، وسط أجواء المناسبات الرسمية والكوستيمات العصرية وربطات العنق الأنيقة والأحذية اللامعة.. خمس سنوات كانت كافية لتتغير معها مقاييس الأناقة ونمط العيش، قبل أن يأتي أصحاب المطالب بكل برودة أعصاب ليخبروه أن الحكاية انتهت..

واش بغيتوه يرجع يزاحم المواطن حتى على كوستيم مستعمل في محلات “البال”؟ ويوقف قدام مول المحل يسولو: “بشحال آ خويا هادا؟ واش ما كاينش شي تخفيض؟”… اللهم إن هذا لمنكر..

واش هادي هي المكافأة اللي يستحقها بعد خمس سنوات من التشريفات والبروتوكول؟..

وماذا عن الـOutfit الخاص بالبرلمانيات المحترمات؟ بعدما اعتدن التباهي بإطلالاتهن وملابسهن المقتناة من أشهر وأرقى محلات العالم، وما يرافقها من إكسسوارات وماركات عالمية، واش بغيتوهن فجأة يوقفن جنب فاطمة وخديجة والسعدية وإكرام ..، الموظفات البسيطات وربات البيوت، ويتنافسن معهن على حوايج “البال” وماكياج التخفيضات؟ ..

يا لها من نقلة قاسية! من واجهات الماركات العالمية إلى البحث عن صفقة مناسبة في سوق التخفيضات!..

طبعا، لا ننسى الوزراء والوزيرات. هل تريدون من الوزير السابق أن يبحث عن تذاكر الطيران الاقتصادية، ويقارن أسعار الفنادق، ويفكر مرتين قبل حجز رحلة؟ وهل تريدون من الوزيرة أن تتخلى فجأة عن أجواء البروتوكول والمناسبات الرسمية؟..

واش بغيتو الوزير يدخل للسوق ويسول على ثمن اللحم والبطاطا والزيت؟..

والوزيرة تحسب مصاريف الشهر قبل ما تخرج للتسوق؟..

بل هل تريدون منه أن ينتقل من سيارة المصلحة إلى البحث عن وسيلة نقل مناسبة؟..

راه خمس سنوات من الاعتياد ماشي سهلة، والانتقال يحتاج، على ما يبدو، إلى برنامج خاص لإعادة التأهيل الاقتصادي!

لكن مهلا، هل فكرتم في الأبناء والأسر؟!..

إذا لم تفكروا في أصحاب المعالي والسعادة، فعلى الأقل فكروا في أبنائهم وزوجاتهم وأزواجهم.. ماذنب الأبناء إذا اعتادوا خلال خمس سنوات على مستوى معين من العيش؟ ماذا عن السفر والعطلات والمطاعم والملابس ومصاريف الدراسة؟ هل تريدون أن يستيقظوا ذات صباح ليكتشفوا أن الولاية انتهت، وأن الأسرة مطالبة بإعادة ترتيب ميزانيتها؟!

تخيلوا طفلا يسمع من والده فجأة “ولدي، خاصنا نقتاصدو شوية، راه المرحلة تبدلات”! يا لها من صدمة! هل تريدون أن يتعلم أبناء المسؤولين البحث عن التخفيضات وحساب المصروف قبل الشراء؟! حشومة عليكم، راه حتى الأطفال خاصهم يعيشو الاستقرار!

والآن نصل إلى الملف الأكثر حساسية.. التقاعد!

وهل تريدون، فوق كل ذلك، أن يصبح تقاع البرلماني والوزير مثل تقاعد العسكري والدركي والموظف والصحافي..؟! اللهم إن هذا لمنكر! واش وصل بكم الأمر إلى المطالبة بالمساواة حتى في التقاعد؟..

هل يعقل أن يقضي العسكري سنوات في الخدمة، والدركي سنوات في تحمل مسؤولياته، والموظف عقودا من العمل، والصحافي سنوات في مهنة المتاعب، ثم نطالب بأن تخضع أنظمة التقاعد والامتيازات لمعايير واضحة وعادلة؟..

يا لها من مساواة ثقيلة!..

المواطن يقتطع من أجره طوال سنوات العمل، وينتظر التقاعد ليبدأ معركة جديدة مع مصاريف العلاج والمعيشة، أما أصحاب المناصب العليا، فينبغي أن نضمن لهم انتقالا مريحا من الكرسي إلى التقاعد، ومن الامتياز إلى الامتياز..

وبعيدا عن الضحك، لا أحد يطالب بحرمان المسؤول من أجر عادل أو إنكار حقوقه القانونية، فلكل عمل مقابل، ولكل مسؤولية تقديرها، لكن المنصب العمومي ليس ملكية خاصة، والوزارة ليست بطاقة عبور إلى امتيازات أبدية، والبرلمان ليس مشروعا استثماريا يضمن لصاحبه الرفاهية حتى بعد مغادرة الكرسي.

إن المال العام ملك للمواطنين، ومن حقهم معرفة كيف يصرف، وعلى أي أساس تحدد الأجور والتعويضات والمعاشات، ومدى تناسبها مع المسؤوليات والنتائج المحققة.

والأكثر إثارة للسخرية أن المواطن عندما يطالب بتحسين قدرته الشرائية، يسمع عن محدودية الميزانية وضرورة التقشف والصبر. وعندما يطالب بمراجعة بعض الامتيازات، تصبح الحسابات معقدة، وتظهر فجأة ألف حجة لتبرير استمرارها!

لماذا يطلب من المواطن أن يقتصد في الزيت والبطاطا واللحم والمحروقات..، وأن يبحث عن ملابس “البال”، ويتحمل الغلاء بصبر جميل، بينما يصبح الحديث عن امتيازات أصحاب المناصب موضوعا يحتاج إلى كل هذا التحفظ؟

أما المواطن المغربي، فلا تقلقوا عليه، فقد حصل على دكتوراه غير معلنة في التقشف وتدبير القليل، يستطيع تقسيم راتبه قبل أن يتوصل به، ويعرف كيف يصنع من درهم واحد ميزانية شهرية كاملة..

ويبقى السؤال: واش بغيتو المسؤولين يعيشو بحال المواطنين، أم أن المطلوب دائما هو أن يعيش المواطن على مقاس امتيازات المسؤولين؟..

واش بغيتوهم حتى هما يتحملوا هم المشيطة والبطاطا واللحم اللي طلعوا للسما؟  واش بغيتوهم يوقفوا قدام الخضار والجزار، ويسولوا على الأثمنة قبل ما يشريو، ويحسبوا مصاريفهم بحال المواطن البسيط؟..

يا لها من معاناة إضافية..فالمواطن وحده يكفيه ما يعانيه يوميا من غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الحياة وضغوط التقشف، فلا تزيدوا البرلمانيين والبرلمانيات، والوزراء والوزيرات، أصحاب المعالي والسعادة، أعباء فوق أعبائهم، ولا تحملوهم ما لا طاقة لهم به! فهم أيضا اعتادوا نمطا معينا من العيش، وليس من السهل مطالبتهم بالتخلي عنه بين عشية وضحاها! فرفقا بهم، ولا تنسوا أبناءهم وأسرهم..

اللهم لا حسد.. الله يزيد ويبارك، ويوسع على أصحاب المعالي والسعادة، ويحفظ لهم امتيازاتهم، ولا يحرم أبناءهم وأسرهم من نعيمهم..

أما المواطن، فالله يكون في عونه.. راه هو اللي كيخلص الفاتورة في نهاية المطاف..

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
 ⟲    ➴