الطماطم تتنكر للفقراء.. و”مطيشة بالبيض” تدخل قائمة الوجبات الفاخرة!

✍️ صليحة بجراف

“يا مطيشة علي علي وديري دارة.. للا مطيشة يا النوارة”، عبارة تختصر بسخرية لاذعة حجم الغلاء الذي طال الطماطم، بعدما تحولت من خضرة أساسية لا تكاد تخلو منها مائدة مغربية إلى سلعة تثقل جيوب المواطنين. حتى وجبة “مطيشة بالبيض”، التي كانت ملاذا للطالب والعازب والموظف محدود الدخل، أصبحت اليوم تحتاج إلى ميزانية لم تكن تخطر على بال أحد.

يبدو أن الطماطم قررت بدورها تغيير قواعد اللعبة والانضمام إلى نادي الغلاء، بعدما أصبح اقتناؤها يفرض على المواطن إجراء حسابات دقيقة قبل وضعها في قفته.

فحتى الوجبة البسيطة التي كانت تنقذ الجائع في نهاية الشهر، لم تعد بمنأى عن موجة ارتفاع الأسعار، وكأنها انتقلت من خانة الوجبات الاقتصادية إلى قائمة الكماليات..

أين أيام المقلاة التي كانت تجمع الطماطم والبيض وقليلا من زيت الزيتون والتوابل، لتقدم وجبة شهية لا تحتاج إلى مهارات في الطبخ ولا إلى مصاريف إضافية؟

وأين تلك اللحظات التي كان فيها الطالب يعود إلى غرفته، فيجد في بضع حبات من الطماطم وبيضتين حلا بسيطا لمشكلة العشاء، دون أن يضطر إلى مراجعة حساباته البنكية؟..

المفارقة أن الطماطم ليست مجرد خضرة عادية، بل مكون أساسي لا يكاد يغيب عن المطبخ المغربي، إذ تحضر في عشرات الأطباق، من السلطات والطواجن إلى الصلصات والحريرة المغربية التي يصعب تخيل مذاقها دونها.

لذلك، فإن ارتفاع أسعارها لا يظل مجرد رقم في الأسواق، بل يتحول إلى عبء يومي يثقل ميزانية الأسر، خصوصا محدودة الدخل، ويجعل حتى إعداد الوجبات الأكثر بساطة تحديا إضافيا أمام ربات البيوت والمستهلكين.

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، كيف لبلد فلاحي مثل المغرب، يتوفر على إنتاج مهم من الطماطم، أن يجد المستهلك نفسه أمام أسعار ترهق قدرته الشرائية، وهل ترتبط هذه المفارقة بحجم الإنتاج، أم بمسالك التسويق والتوزيع، وتعدد الوسطاء، وتكاليف النقل، وما قد يشوب بعض حلقات سلسلة التوزيع من اختلالات؟ ..

لا أحد ينكر حق الفلاح في الاستفادة من محصوله، ولا حق التاجر في تحقيق ربح مشروع، لكن من حق المواطن أيضا أن يحصل على المواد الغذائية الأساسية بأسعار معقولة.

فليس من المقبول أن يتحول اقتناء الخضر الضرورية إلى معادلة حسابية معقدة، أو أن يجد المستهلك نفسه مضطرا إلى التخلي عن بعض احتياجاته لمجرد الحفاظ على توازن ميزانية أسرته.

ومن هنا تبرز أهمية تشديد مراقبة الأسواق، وتعزيز الشفافية في مسالك التوزيع، والتصدي للمضاربة والممارسات التي تساهم في رفع الأسعار دون مبرر، بما يضمن التوازن بين مصالح المنتجين والتجار والقدرة الشرائية للمستهلكين.

أما “مطيشة بالبيض”، فستظل وجبة بسيطة في مكوناتها، كبيرة في حضورها داخل الذاكرة الغذائية للمغاربة، خصوصا أصحاب الدخل المحدود. لكنها أصبحت اليوم مرآة صغيرة تعكس اتساع دائرة الغلاء، حتى إن الأطباق التي كانت توصف بأنها اقتصادية لم تعد بمنأى عن هذا الواقع.

يا مطيشة.. يا النوارة..، لا نطلب منك المستحيل، ولا نطالبك بالعودة إلى أسعار الماضي، لكن ارفقي قليلا بجيوب المغاربة، ولا تجعلي من وجبة بسيطة حلما يحتاج إلى ميزانية خاصة.

وفي النهاية، يبدو أن الغلاء لم يكتف برفع أسعار الخضر والمواد الأساسية، بل قلب حتى عادات المغاربة وموائدهم وحساباتهم اليومية، وأصبح المثل الشعبي القائل”اللي ما عندو فلوس، كلامو مسوس” يستحضر واقعا اجتماعيا تزداد فيه صعوبة تلبية أبسط الحاجيات.

بين مطيشة الأمس ومطيشة اليوم، يبقى المواطن الحلقة التي تتحمل كلفة هذه التحولات، وهو الذي بات مطالبا بالتأقلم مع أسعار لا تتأقلم مع دخله، وانتظار ما ستسفر عنه الوعود الحكومية من حلول تخفف عنه أعباء المعيشة.

وإلى أن تتحول تلك الوعود إلى إجراءات ملموسة تنعكس على قفة المغاربة وقدرتهم الشرائية، سنظل نردد، بنوع من السخرية والأمل معا.. لم نيأس بعد، وما زلنا ننتظر أن تعود “مطيشة بالبيض” وجبة شعبية في متناول الجميع، لا طبقا يحتاج إلى ميزانية استثنائية..

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
 ⟲    ➴