“تيشوث أوجنا”.. الوطن في مستنقع الاحتجاج
قراءة نقدية في الفصل الأول من مؤلف الدكتور سعيدي المولودي
خنيفرة / محمد مرادي
عن دار بصمة للنشر والتوزيع، صدر في طبعته الأولى كتاب “تيشوث أوجنا” (هضبة السماء) للدكتور سعيدي المولودي، وهو عمل يختار منذ فصله الأول، المعنون بـ«المستنقع الميداني»، أن يضع القارئ أمام صورة قاتمة لواقع وطني تتنازعه مظاهر الفساد والتهميش وتراجع القيم، في كتابة تمزج بين الشعرية والسخرية السياسية والنقد الاجتماعي.
لا يبدو عنوان الكتاب، بما يحمله من إيحاء بالعلو والسمو، منسجما مع قتامة المشهد الذي يفتتح به الكاتب عمله، وكأن هذه المفارقة مقصودة لاستحضار المسافة بين الوطن الذي يحلم به المواطن والواقع الذي يعيشه. فمنذ البداية، يرسم سعيدي المولودي صورة وطن يغرق في مستنقع الاختلالات، حيث تتراجع الأحلام أمام سطوة المصالح والانتهازية.
ويعتمد الكاتب على تكرار فعلي “يهبط” و”تهبط” لبناء حركة دلالية تنقل مختلف مظاهر الحياة من أفق الصعود إلى قاع الانكسار. فاللغة تهبط، والفقراء ينزلون مثقلين بالجراح، والسياسة تفقد معناها، فيما تجد الديمقراطية نفسها محاصرة بالخوف والأهوال. ويمنح التقارب الصوتي بين كلمات مثل القعر والكعب والقعب والرعب والشعب هذا البناء إيقاعا خاصا، يجعل التكرار أداة فنية للاحتجاج، لا مجرد اختيار لغوي.
وتتسع دائرة النقد لتشمل الخطاب السياسي الذي يقدم صورة مطمئنة عن الوطن، بينما تتراكم، وفق تصوير الكاتب، مظاهر النهب والتضليل.
ولا يكتفي المولودي بالاستعارات الكبرى، بل ينزل إلى تفاصيل الحياة اليومية، مستحضرا فواتير الماء والكهرباء والضرائب وارتفاع الأسعار والمضاربات، ليكشف كيف تتسلل الأزمة إلى أبسط تفاصيل عيش المواطنين.
ومن أبرز ملامح الفصل توظيف السخرية السوداء، خصوصا عندما يخاطب الكاتب اللصوص والانتهازيين بلغة مديح ظاهرية، ويصفهم بأوصاف تحمل في ظاهرها الإشادة، لكنها تنقلب في عمقها إلى هجاء لاذع.
إنها مفارقة تكشف عبث واقع يصبح فيه النهب، في نظر النص، سلوكا مألوفا، فيما تتحول النزاهة والمحاسبة إلى مطالب مؤجلة.
كما يحضر صوت “نحن” بقوة، ليمنح النص بعدا جماعيا يتجاوز تجربة الفرد، ويعبر عن إحساس مشترك بالاختناق والتهميش والعجز عن تغيير الواقع. غير أن هذا الصوت، رغم ما يحمله من ألم، لا يستسلم كليا للسواد، إذ يفتح الكاتب نافذة على الحلم، حيث تتراجع صور المستنقع لتحل محلها تطلعات إلى بناء المستشفيات والمدن الفاضلة، واستعادة الفرح والحياة والكرامة.
وهنا تتجلى أهمية التحول الذي ينتهي إليه الفصل، من الهبوط إلى التطلع، ومن الاحتجاج إلى استشراف إمكان التغيير.
فالعبارة الختامية “خلود لا موت” تبدو بمثابة إعلان رمزي عن رفض الاستسلام، وعن الإيمان بأن الوطن، مهما أثقلته الاختلالات، يظل قابلا لاستعادة الحياة.
في المحصلة، يقدم سعيدي المولودي في “المستنقع الميداني” كتابة احتجاجية تستمد قوتها من المفارقة والتكرار والصورة الشعرية، وتزاوج بين النقد السياسي والهم اليومي للمواطن. إنه نص لا يكتفي بوصف المستنقع، بل يحاول مساءلة أسبابه، وفتح نافذة على وطن آخر لا يكون فيه الحلم مجرد ملاذ من الواقع، بل بداية للتغيير.

































اترك تعليقاً