حكومة المونديال أم حكومة الانتخابات؟ كيف ابتلعت الحسابات الحزبية ما تبقى من الزمن الحكومي…
✍️زهير أصدور
المغرب اليوم لا يواجه فقط أزمة تدبير حكومي، بل يواجه أزمة في ترتيب الأولويات السياسية. فبينما ينتظر المواطن من الحكومة أن تستثمر ما تبقى من ولايتها في تسريع الإصلاحات، واستكمال الأوراش الاجتماعية والاقتصادية المفتوحة، تبدو مكونات الأغلبية وكأنها دخلت، قبل الأوان، في سباق انتخابي محموم، استهلك جزءا مهما من الزمن السياسي والمؤسساتي للدولة.
لقد تحولت الحكومة، في أشهرها الأخيرة، من سلطة يفترض أن تنشغل بالتدبير والإنجاز، إلى فضاء لصراع انتخابي مبكر، تتبادل داخله مكونات الأغلبية الرسائل والتموقعات والحسابات الضيقة، في مشهد يكشف بوضوح أن هاجس انتخابات 2026 بدأ يطغى على ما عداه من أولويات وطنية ومجتمعية ملحة.
المشكلة هنا ليست في أن تستعد الأحزاب للاستحقاقات المقبلة، فذلك جزء من منطق العمل الديمقراطي، وإنما في أن يتحول هذا الاستعداد إلى حالة استنزاف سياسي دائم، تعطل فعليا وظيفة الحكومة، وتفرغ الزمن الحكومي من مضمونه الحقيقي. لأن كل يوم يهدر في الصراعات الحزبية، هو يوم يقتطع من حق المغاربة في التنمية والخدمات والعدالة الاجتماعية وتحسين شروط العيش.
والحال أن المغرب لا يعيش ظرفية عادية تسمح بهذا الترف السياسي. فالدولة توجد أمام رهانات استراتيجية كبرى: تنزيل الدولة الاجتماعية، إصلاح المنظومة الصحية والتعليمية، مواجهة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، تقليص الفوارق المجالية، تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، التحضير لمونديال 2030، واستثمار التحولات الجيوسياسية والإقليمية التي تعيد رسم موازين القوى والمصالح في المنطقة.
هذه الأوراش ليست مجرد شعارات حكومية أو عناوين للاستهلاك الإعلامي، بل مشاريع دولة كبرى يقودها جلالة الملك برؤية استراتيجية بعيدة المدى، وتتطلب حكومة بكامل تركيزها، وبكل طاقتها السياسية والإدارية، لا حكومة مشتتة بين تدبير الشأن العام وتدبير الحسابات الانتخابية.
غير أن ما يحدث اليوم يكشف مفارقة صادمة: فبينما تتحرك الدولة بمنطق الاستمرارية الاستراتيجية، تتحرك الأغلبية الحكومية بمنطق النجاة الانتخابية. وبينما تحتاج البلاد إلى تعبئة سياسية وطنية حول رهانات المستقبل، تنشغل مكونات الحكومة بقياس الأحجام، وتصفية الحسابات، وتوزيع الأدوار داخل معركة انتخابية لم يحن أوانها بعد.
لقد أصبح واضحا أن جزءا مهما من الخطاب السياسي الحالي لم يعد موجها للمواطن بقدر ما أصبح موجها لصناديق الاقتراع. وهذا في حد ذاته أحد أخطر أعطاب الممارسة السياسية في المغرب، لأن الحكومة حين تتحول إلى فاعل انتخابي دائم، تفقد تدريجيا معناها كسلطة تنفيذية مسؤولة عن الإنتاج والنجاعة والإنجاز.
والأخطر من ذلك، أن المواطن يجد نفسه خارج هذا الصراع كله. فهو لا يعنيه من سيتصدر المشهد الحزبي بقدر ما يعنيه أن يجد مدرسة عمومية تحفظ كرامة أبنائه، ومستشفى يضمن علاجه، وفرصة شغل تحفظ استقراره، وإدارة تحترم وقته وحقوقه. أما المعارك الصغيرة حول الزعامة والترتيب الانتخابي، فهي بالنسبة لغالبية المغاربة ترف سياسي منفصل عن واقعهم اليومي القاسي.
إن الزمن الحكومي ليس ملكا للأحزاب، بل هو ملك للمجتمع. وكل دقيقة تهدر في الحسابات الانتخابية الضيقة هي في الحقيقة دين سياسي وأخلاقي يراكم على الدولة وعلى الثقة العمومية. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي حكومة هو أن تتعامل مع ما تبقى من ولايتها باعتباره مجرد ممر نحو الانتخابات المقبلة، لا باعتباره فرصة أخيرة للإنجاز واستعادة الثقة.
ثم إن التجارب السياسية الحديثة أثبتت أن الحكومات التي تدخل مبكرا في منطق الحملة الانتخابية، غالبا ما تفقد قدرتها على اتخاذ القرار الجريء، لأن كل شيء يصبح خاضعا لمنطق الربح والخسارة الانتخابية. وهنا تتحول الدولة إلى رهينة حسابات حزبية قصيرة النفس، بينما تتطلب المرحلة الحالية قرارات استراتيجية كبرى، وإصلاحات عميقة، وشجاعة سياسية حقيقية.
لقد بات من المشروع اليوم طرح سؤال جوهري: هل ما تزال الحكومة تشتغل بمنطق تدبير المصلحة العامة، أم أنها دخلت فعليا مرحلة “تعليق سياسي” غير معلن إلى حين حلول موعد الانتخابات؟
ذلك أن مؤشرات كثيرة توحي بأن جزءا من الفاعلين داخل الأغلبية لم يعد منشغلا بما سيتركه للمغاربة في نهاية الولاية، بل بما سيحصده انتخابيا بعدها. وهنا يكمن الخلل الحقيقي، لأن الدولة لا تبنى بمنطق الحملات الدائمة، بل بمنطق الاستمرارية والنجاعة واحترام الزمن العمومي.
إن المغاربة لا يحتاجون اليوم إلى مزيد من الخطابات الانتخابية المقنعة بلغة الإنجاز، بل يحتاجون إلى إنجاز فعلي يشعرون به في حياتهم اليومية. فالفارق كبير بين حكومة تشتغل من أجل المواطن، وحكومة تشتغل من أجل إقناع المواطن بالتصويت لها مرة أخرى.
وفي العمق، لا يتعلق الأمر فقط بأداء أغلبية حكومية بعينها، بل بثقافة سياسية كاملة أصبحت تعتبر الانتخابات غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون مجرد آلية ديمقراطية لتجديد النخب وتقييم الحصيلة. لذلك تتراجع الثقة، وتتسع الهوة بين المجتمع والسياسة، ويتحول الإحباط العام إلى موقف جماعي من الفعل الحزبي برمته.
الدول الجادة تقاس بقدرتها على احترام زمن مواطنيها، لا فقط بمواعيد انتخاباتها. أما حين يصبح الزمن الحكومي مستنزفا في التنافس الحزبي المبكر، فإن أول ضحايا هذا العبث ليس الأحزاب نفسها، بل المواطن الذي يدفع يوميا ثمن الوقت.































