لا شيء مميت… مجرد كسر في الخاطر!!!

*✍️سعيد بن معنان
بعد أن وضعت حرب الانتخابات أوزارها، وأسدل الستار على واحدة من أكثر المحطات الانتخابية إثارة في دائرة بولمان، وأسفرت صناديق الاقتراع على ما أسفرت عليه، لم يعد من المفيد أن نختبئ خلف لغة التبرير، أو أن نبحث عن شماعة نعلق عليها وقائع ما حدث.
فالنتائج حسمت، وتم الاعلان عن لائحة الفائزين، والحركة الشعبية لم تتمكن من الحفاظ على مقعد نيابي في دائرة ظلت لعقود طويلة، واحدة من القلاع التاريخية للحزب ومعاقله الانتخابية.
ولأنني كنت قريبا من دائرة المشاورات والنقاشات التي سبقت هذه الاستحقاقات، وعايشت من الداخل، تفاصيل عملية اختيار لائحة الترشيح بإقليم بولمان، أعتقد أن من واجبي اليوم أن أقول بعض الكلام الذي قد لا يكون مريحا، لكنه ضروري.
فالهزيمة الانتخابية، مهما كانت قاسية، ليست نهاية العالم، لكنها تصبح خطيرة وأكثر قساوة عندما نرفض أن نقرأ أسبابها، ونكتفي بالاحتفال بانتصارات الماضي…
لقد تلقينا إنذارا واضحا خلال انتخابات 2021، ولم نلتقط رسائله مع الاسف،
قد نختلف في تفسير نتائج تلك المحطة التي لا يريد البعض اتخاذها مرجعا، وقد نسوق عشرات الأسباب السياسية المشروعة وغير المشروعة و نستحضر مختلف الاساليب المستعملة آنذاك ، لكن الثابت أن الحركة الشعبية بعد 8 شتنبر2021 لم تعد بالقوة الانتخابية التي كانت عليها في السابق بإقليم بولمان.
فبعد سنوات كنا فيها نتصدر المشهد من حيث عدد رؤساء الجماعات الترابية، وعدد المستشارين الجماعيين، والحضور الوازن في الغرف المهنية، وجدنا أنفسنا أمام واقع جديد لم يكن يسمح بالكثير من الاطمئنان…
حيث أصبح رصيدنا بعد نكبة 8شتنبر لا يتجاوز، على المستوى الإقليمي، حوالي أربعين مستشارا جماعيا موزعين على اقل من 30 فالمئة من الجماعات البالغ عددها 21 جماعة…
وهنا تحديدا كان ينبغي أن ندق ناقوس الخطر،
فالانتخابات التشريعية إنما تبنى داخل الجماعات، وبين المنتخبين، وفي التنظيمات المحلية، وفي العلاقة اليومية مع المواطن ، والمنتخب المحلي جزء أساسي من البنية التي تصنع نتائج الانتخابات التشريعية.
كان إنذار 2021 يحتاج إلى وقفة تأملية وورشة حقيقية لإعادة البناء، وإلى مراجعة عميقة لأساليب الاشتغال، وإلى إعادة ترتيب البيت الحركي، ولا سيما في الجماعات التي فقد فيها الحزب قوته التاريخية.
لكن يبدو أننا لم نذهب بعيدا بما يكفي في استخلاص الدروس…
وبعد غياب شبه تام لدور مؤسسات الحزب المحلية بالاقليم طيلة خمس سنوات الماضية على الأقل أو لنقل عشر سنوات، وجدنا انفسنا فجأة امام تشريعيات 2026 بدون مشروع وكيل اللائحة وبلا رؤية سياسية واضحة في دائرة تسمى الموت، لذلك بعد إعلان  الرئيس محند العنصر صراحة عدم ترشحه، أصابنا التيه فدخلنا في مرحلة طويلة من المشاورات بحثا عن الاسم الذي يمكن أن يحمل راية الحركة الشعبية في هذه الدائرة.
ومن الطبيعي أن يكون الاختيار صعبا في دائرة لها تاريخها ورمزيتها، ومن الطبيعي أيضا أن تتعدد الأسماء والطموحات وكان التريث سيد الموقف.
لكن ما لم يكن طبيعيا هو أن يستمر هذا التريث حتى اصبح ترددا إلى وقت جعلنا نصل إلى السباق متأخرين، في حين كانت أحزاب أخرى قد نزلت إلى الميدان منذ أكثر من سنة، وبدأت في بناء صورتها، والتواصل مع الناخبين، وترتيب صفوفها، واختبار خطابها وبرنامجها الانتخابي.
ومن هذا المنطلق أعلن بعض المناضلين رغبتهم في خوض هذه الاستحقاقات في وقت مبكر، وكان بإمكان الحسم المبكر أن يمنح الحزب فرصة أكبر لإعادة ترتيب أوراقه والانطلاق على الاقل في الوقت المناسب.
لكن التأخر في اتخاذ القرار خلق حالة من الانتظار، والانتظار في السياسة ليس دائما موقفا إيجابيا، فقد يتحول إلى ارتباك، والارتباك قد يتحول إلى فراغ، والفراغ شبح قاتل في السياسة.
وبالفعل، انعكس ذلك على جزء مما تبقى من القواعد والمناضلين، وكان من بين هؤلاء من غيروا وجهتهم السياسية تحت تأثير هذا الوضع.
وفي خضم هذه المشاورات، عقد الرئيس محند العنصر عددا من اللقاءات المصغرة والموسعة، سواء بفاس أو ببولمان، في محاولة للوصول إلى اسم يحظى بأوسع قدر ممكن من القبول عند الحركيين…
لكن اللافت أن مخرجات كل تلك اللقاءات كانت خلاصتها وحيدة وهي التشبت بعودة الرئيس ،
لم يكن الأمر طبعا مجرد استدعاء لهرم سياسي له وزنه،بل كان تعبيرا عن حاجة القواعد إلى شخصية كمحند العنصر تشعر معها بأن الحزب سيستعيد جزءا من قوته ورمزيته وتوازنه،
وبعد مد وجزر، قبل الرئيس مكرها وعلى مضض، الاستجابة لإرادة جزء كبير من الحركيات والحركيين، وعاد اسمه إلى الواجهة.
وبعد أن حسمنا، ولو متأخرا، أمر وكيل اللائحة، بدأت مرحلة أخرى لم تكن أقل تعقيدا، بل ربما كانت أكثر حساسية، وهي مرحلة اختيار الوصيف ..
فالرئيس كان قد لمح، بما يشبه اليقين، إلى أن عودته لم تكن بحثا عن مقعد برلماني جديد، ولا سعيا وراء موقع حكومي، وإنما جاءت استجابة لرغبة الحركيات والحركيين، ووفاء لنداء القواعد، مع ترك المجال أمام جيل جديد من الأسماء ليأخذ موقعه وهو يقصد الوصيف طبعا، ويستعد للمراحل المقبلة.
كانت الرسالة، في ظاهرها، واضحة ومطمئنة،
لكنها، في الواقع، فتحت الباب واسعا أمام طموحات متعددة، بعضها مشروع ومفهوم، وبعضها الآخر ربما تجاوز ما يسمح به الواقع التنظيمي.
وفجأة لم يعد السؤال فقط من سيكون وصيف اللائحة؟
بل أصبح السؤال عند البعض، من سيكون رجل المرحلة المقبلة؟ ومن سيحمل المشعل بعد الرئيس؟
وهكذا تحولت مسألة ترتيب اللائحة إلى ما يشبه معركة صغيرة داخل المعركة الكبرى.
وأمام تعدد الطموحات، كان لا بد من العودة إلى منطق التنظيم و حكم المؤسسات، فتم تشكيل لجنة إقليمية، ضمت المكاتب المحلية وممثلي الدوائر والجماعات، قصد التداول في الأسماء المرشحة لمنصب الوصيف.
لكن المشكلة لم تكن في فكرة تشكيل اللجنة، بقدر ما كانت في التوقيت.
فقد جاءت هذه العملية قبل أقل من أسبوع على الموعد المحدد لإيداع طلبات الترشيح لدى السلطات المختصة.
أي أن مساحة المناورة وتدبير الاختلافات كانت تضيق يوما بعد يوم، بينما كانت الطموحات تتسع.
تم عرض ثلاثة أسماء أمام أنظار اللجنة، وجرى التداول في الملفات والمعايير والاعتبارات المرتبطة بكل اسم، وبعد النقاش والدراسة تم اختيار اسمي، بصفتي وصيفا لوكيل اللائحة..
لم يكن القرار سهلا أبدا.
وأقولها اليوم بكل شجاعة ووضوح كان قرارا صعبا، لأن كل اختيار في مثل هذه الظروف يعني، بالضرورة، أن أسماء أخرى ستشعر بأنها لم تحصل على ما كانت تنتظره.
لكن الأصعب من اتخاذ هذا القرار هو التراجع عنه بعد أقل من أسبوع.
ففي السياسة، ليس القرار وحده هو الذي يحمل الرسالة بل حتى التراجع عنه يحمل رسائل كثيرة..
فالمرشح يحتاج إلى أن يعرف أين يقف، والمناضل يحتاج إلى أن يعرف مع من يقف، والناخب يحتاج إلى أن يرى أمامه فريقا منسجما وواثقا…
لذلك فالامر يتعلق بطريقة تدبير لحظة سياسية دقيقة، كان يفترض أن يكون فيها الحسم مبكرا، والقرار واضحا، والصف موحدا، حتى تتجه كل الطاقات نحو الخصم السياسي الحقيقي، بدل أن تستهلك جزءا من جهدها داخل البيت التنظيمي.
وبالتالي ما وقع جعل جزءا من الوقت الثمين يذهب في نقاشات كان يمكن حسمها في وقت مبكر وبطريقة أكثر هدوءا.
وهنا ربما تكمن واحدة من أهم خلاصات هذه التجربة:
في السياسة، لا يكفي أن يكون القرار صحيحا؛ يجب أن يأتي في وقته، وأن يكون قابلا للدفاع عنه، وأن يحظى بالحد الأدنى من الاستقرار.
ولعل هذه واحدة من الدروس التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلا ونحن نعيد قراءة ما جرى في يوم 23 شتنبر ببولمان.
ليس من أجل محاكمة أحد، ولا من أجل البحث عن المسؤول عن الهزيمة، وإنما حتى لا يتحول ألم النتيجة إلى مجرد ذكرى نسترجعها بغصة في الحلق.
فالخسارة الانتخابية يمكن أن تكون مؤلمة، لكنها تصبح مفيدة عندما تتحول إلى فرصة للتقييم والنقذ الذاتي الذي لا بد انه الارضية الصحيحة لإعادة البناء .
أما إذا اكتفينا بالحزن عليها، فسوف نخسر مرتين،
مرة عبر صناديق الاقتراع، ومرة أخرى عندما نغض الطرف عن الأسباب الحقيقية لنتائج الصناديق.
يجب أن نمتلك الشجاعة والقدرة على نقد تجربتنا الآن ونحن داخلها، لا بعد أن يغادر الجميع المشهد.
فالحركة الشعبية ليست حزبا وليد اللحظة في إقليم بولمان، فهي حزب له تاريخ، ورجال ونساء، وذاكرة، ومناضلون أفنوا سنوات من أعمارهم في الدفاع عن مشروعه.
ولهذا فإن خسارة مقعد ليست نهاية القصة.
فالانتخابات انتهت، والنتائج أصبحت في جعبة التاريخ.
أما الحزب، فما زال أمامه المستقبل.
وإذا كان في الخاطر كسر، وفي الذاكرة بعض الخدوش…
فلا شيء مميت.
المهم أن نعترف بالألم، نفهم أسبابه، نعيد بناء ما انكسر، ونعود إلى بولمان لصناعة انتصار جديد يستحقه المستقبل.
وفي الختام، قد تكون صناديق الاقتراع قالت كلمتها هذه المرة، وبعض الصفحات نفثت سموم التشفي مع سبق الاصرار   لكنها أبدا لن تختزل قيمة محند العنصر ولن تختصر مساره النظيف في خدمة البلاد والعباد، فهذه المحطة قد تسجل خسارة انتخابية، أما الزعيم فسيظل منتصرا لوطنه، وفيا لملكه، وراسخا في ذاكرة حزب عريق إسمه الحركة الشعبية …
وإذ أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان لكل المناضلات والمناضلين الأوفياء، الذين ظلوا إلى جانبنا طيلة الحملة، ثابتين على المبدأ، أوفياء للالتزام فإنني، في المقابل، لا أملك إلا أن أتأسف لمن يغير مواقفه أكثر مما يغير جواربه، وللبعض أقول النقد يكون بمسؤولية والاختلاف بشرف وأخلاق لان السياسة في نهاية المطاف مواقف ومبادئ ومسؤولية أمام الناس والتاريخ…
يتبع…
*(عضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية)
Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
 ⟲    ➴