هاني شنودة… حين يرحل صناع الجمال ويبقى السؤال: من يكرم الذاكرة؟
أش بريس/ الرباط
في 20 يوليوز 2026، أسدل الستار على حياة الموسيقار المصري الكبير هاني شنودة، أحد أبرز رواد الموسيقى العربية الحديثة، عن عمر ناهز الثالثة والثمانين. وبرحيله فقدت الساحة الفنية العربية اسما لم يكن مجرد ملحن أو موزع موسيقي، بل مدرسة فنية متكاملة أسهمت في صياغة وجدان أجيال كاملة، وفتحت الطريق أمام أصوات أصبحت فيما بعد من كبار نجوم الغناء العربي.

لكن، وللأسف، لم يكن الحدث الذي أثار النقاش هو رحيله في حد ذاته، وإنما ما رافق مراسم تشييعه من حديث واسع عن محدودية الحضور، في مقابل سيل هائل من رسائل النعي والتأبين على مواقع التواصل الاجتماعي. وسواء كانت بعض التفاصيل المتداولة دقيقة أو مبالغا فيها، فإنها أعادت طرح سؤال أكبر من جنازة فنان، وأعمق من واقعة عابرة.
كيف أصبحنا نكرم من صنعوا ذاكرتنا؟
لقد كان هاني شنودة أحد الذين غيروا وجه الموسيقى العربية. أسس فرقة “المصريين”، وقدم لغة موسيقية جديدة، وأسهم في اكتشاف وصناعة مسارات فنية لكبار المطربين، وترك بصمته في عشرات الأعمال التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور العربي. كان يؤمن بأن الموسيقى ليست ترفا، بل ثقافة وهوية ورسالة.
ومع ذلك، بدا وكأن لحظة الوداع لم تكن بحجم المسيرة.
غير أن القضية لا ينبغي أن تختزل في عدد من حضروا الجنازة أو غابوا عنها، لأن الوفاء لا يقاس دائما بالصور، وقد تحول ظروف إنسانية أو صحية أو مهنية دون حضور البعض. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن زمننا يشهد تحولا عميقا في مفهوم العلاقات الإنسانية.
لقد أصبحنا نعيش عصر “الوفاء الافتراضي”.
نعزي بمنشور، ونواسي بتعليق، ونعبر عن الحزن برمز تعبيري، ثم ننتقل في اللحظة نفسها إلى خبر آخر أو مقطع ترفيهي، وكأن الموت مجرد إشعار عابر في شاشة الهاتف.
إن أخطر ما فعلته التكنولوجيا ليس أنها قربت البعيد، بل أنها، أحيانا، أبعدت القريب. منحتنا القدرة على التعبير السريع، لكنها سلبت كثيرا من حرارة اللقاء، ومن قيمة الحضور، ومن معنى المشاركة الوجدانية الحقيقية.
وفي الفلسفة، لا يقاس رقي الأمم بما تبنيه من عمران فقط، وإنما أيضا بالطريقة التي تحفظ بها ذاكرتها الجماعية. فالفنانون، والمفكرون، والعلماء، لا يورثون الأموال، بل يورثون المعنى. وإذا فقد المجتمع القدرة على رد الجميل لمن صنعوا هذا المعنى، فإنه يفقد جزءا من هويته.
ولعل الدرس الأهم الذي يتركه رحيل هاني شنودة هو أن الإنسان لا ينبغي أن يراهن على التصفيق، ولا على كثرة المشيعين. فالجنازات تنتهي في ساعات، أما الأعمال الخالدة فتبقى شاهدة على أصحابها لعقود، وربما لقرون.
قد يخفت صوت المشيعين، لكن الألحان لا تموت.
وقد تغيب الوجوه عن مراسم الوداع، لكن الإبداع الحقيقي يظل حاضرا في ذاكرة الشعوب، يرافقها في أفراحها وأحزانها، جيلا بعد جيل.
إن تكريم المبدعين لا يكون فقط عند رحيلهم، ولا يقتصر على كلمات الرثاء، بل يبدأ وهم أحياء، بالاعتراف بعطائهم، وصون كرامتهم، والاحتفاء بإبداعهم، وتعليم الأجيال الجديدة أن الأمم التي تحفظ ذاكرة مبدعيها هي الأمم القادرة على صناعة مستقبلها.

رحل هاني شنودة، لكن بقي سؤال مفتوح أمام مجتمعاتنا جميعا: هل أصبحنا نكتفي بكتابة كلمات الوفاء… بعدما فقدنا القدرة على ممارسته؟.
































اترك تعليقاً