المحامون: نشر القانون لا ينهي الأزمة.. والتوقف الشامل مستمر

*ذ. زهير أصدور

لم يعد الخلاف حول قانون مهنة المحاماة، بعد صدور بيان مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب بتاريخ 28 غشت 2026، مجرد نقاش حول مقتضيات تشريعية بعينها، بل انتقل إلى مستوى أوسع يتعلق باستقلال المهنة، وسلامة المسار التشريعي، وحدود العلاقة بين المحاماة وباقي مكونات منظومة العدالة.

فالبيان حرص، منذ بدايته، على رسم خط فاصل واضح بين الاعتراض على القانون وبين الدخول في مواجهة مع الدولة، مؤكدا أن ما يجري «ليس صراعا بين المحامين والدولة»، وأن المحاماة جزء أصيل من مؤسسات العدالة ومن البناء الحقوقي والديمقراطي للمملكة.

وهذه الإشارة ليست تفصيلا في الخطاب المهني، بل تحمل دلالة سياسية ومؤسساتية مهمة، لأنها تنقل مركز النقاش من منطق الصدام إلى منطق الدفاع عن موقع المحاماة داخل دولة القانون، باعتبار أن استقلال الدفاع لا يشكل امتيازا للمحامي بقدر ما يمثل ضمانة للمتقاضي وللمحاكمة العادلة.

البيان ذهب أبعد من الاعتراض على مضمون القانون، إذ أعاد فتح ملف الطريقة التي تم بها تدبير مساره التشريعي، خاصة بعد تعذر المحكمة الدستورية عن البت في الإحالة بسبب عدم استيفائها للشروط اللازمة، ثم الانتقال، رغم ذلك، إلى نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ دون تدارك أسباب ذلك التعذر. وهو ما دفع الجمعية إلى طرح أسئلة صريحة حول كيفية الإحالة، وأسباب عدم استكمال شروطها، ولماذا لم تتم معالجة الخلل قبل نشر النص.

ومن هنا يبدو أن المعركة المهنية دخلت مرحلة مختلفة: لم يعد السؤال فقط هو ماذا يتضمن القانون، وإنما أيضا كيف وصل هذا القانون إلى مرحلة التنفيذ، وما إذا كانت جميع ضمانات الرقابة الدستورية قد أخذت مداها الطبيعي والكامل.

وفي مستوى آخر، سجل البيان مخاوف مهنية من انتقال تنظيم المهنة، في بعض جوانبه، من منطق التنظيم الذاتي إلى منطق توسيع تدخل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل والنيابة العامة في مجالات مرتبطة بالممارسة المهنية، مع التشديد على مكانة النقباء السابقين وعلى دور جمعية هيئات المحامين بالمغرب باعتبارها الإطار الوطني الجامع للهيئات.

لكن أقوى رسالة سياسية ومهنية حملها البيان ربما تكمن في العبارة التي تؤكد أن نشر القانون لا يعني انتهاء القضية، وأن دخوله حيز التنفيذ لا يحول الرفض إلى قبول ولا يمحو، في تقدير الجمعية، الاختلالات التي رافقت مساره.

وبناء على ذلك، اختارت جمعية هيئات المحامين بالمغرب الاستمرار في معركتها من أجل إسقاط القانون، مع الإعلان عن تنويع وتطوير الأشكال الاحتجاجية، والمطالبة بفتح نقاش مؤسساتي حول ملابسات الإحالة على المحكمة الدستورية وترتيب ما يلزم من مسؤوليات مؤسساتية وسياسية، إلى جانب الاستمرار في التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية. كما حددت يوم 10 شتنبر 2026 موعدا لاجتماع مكتبها من أجل وضع برنامج المرحلة المقبلة، وعقد ندوة صحفية في اليوم نفسه لعرض موقفها أمام الرأي العام.

بهذا الموقف، يكون الجسم المهني قد أعلن عمليا أن صدور القانون لم يغلق الأزمة، بل غير طبيعتها فقط.

فالمعركة التي كانت تدور بالأمس حول مشروع قانون داخل المسار التشريعي، أصبحت اليوم معركة حول قانون نافذ، وهو تحول دقيق يفرض على المؤسسات المهنية قدرا أكبر من التأطير القانوني للأشكال الاحتجاجية، وفي المقابل يضع الحكومة والمؤسسات المعنية أمام مسؤولية سياسية حقيقية في البحث عن مخرج لأزمة لا يبدو أن النشر في الجريدة الرسمية كان كافيا لإنهائها.

إن الأزمة اليوم لم تعد أزمة نص قانوني فقط؛ إنها أزمة ثقة بين مهنة من مهن العدالة وبين الطريقة التي تمت بها صناعة القانون المنظم لها.

والحل، لذلك، لن يكون في انتظار أن يرهق التوقف المحامين أو المتقاضين، ولا في التعويل على مرور الوقت، وإنما في إعادة فتح باب الحوار المؤسساتي الجدي حول جوهر الخلاف.
فالقوانين قد تصبح نافذة بمجرد نشرها، لكن الإصلاح الحقيقي لا يصبح نافذا إلا عندما يحظى بالثقة.

*(محام بهيئة الرباط)

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code