المحكمة بلا وكالة… والصندوق بالوكالة!

..المحامي المغربي المقيم بالخارج يستطيع أن يمارس مهنته في المغرب، فلماذا لا يستطيع أن يمارس صوته بنفسه
ذ. زهير أصدور – محام بهيئة الرباط
تثير وضعية المحامي المغربي المقيم بالخارج مفارقة تشريعية فادحة، ولا سيما في سياق النقاش المتعلق بالمشاركة السياسية لمغاربة العالم. فالمشرع يبدو، في المجال المهني، أكثر سخاء في الاعتراف بالأهلية القانونية للمواطن المقيم خارج التراب الوطني، منه في المجال السياسي؛ وهي مفارقة تنطوي على سخرية تشريعية صارخة: يُسمح للمواطن بأن يمارس مهنة قانونية داخل المغرب، بينما يُطلب منه، عند ممارسة حقه الانتخابي، أن يفوض غيره للتعبير عن إرادته.
تنص المادة 36 من قانون تنظيم مهنة المحاماة على إمكانية المحامين الحاملين للجنسية المغربية، والممارسين لمهنتهم بصفة فعلية ومستمرة في بلد أجنبي أو أكثر، فتح مكتب إضافي لممارسة المهنة فوق التراب الوطني، شريطة التسجيل في جدول إحدى هيئات المحامين بالمغرب، مع الاحتفاظ بتسجيلهم وممارستهم للمهنة في مكاتبهم بالخارج.
ومؤدى هذا المقتضى أن المشرع يعترف للمحامي المغربي المقيم بالخارج، متى استوفى الشروط القانونية، بإمكانية العودة إلى التراب الوطني لممارسة مهنته، مع استمرار نشاطه المهني في الخارج. فهو لا يكتفي بالاعتراف بصلته القانونية بالمغرب، بل يتيح له إنشاء امتداد مهني داخله، وكأن المسافة الجغرافية لا تشكل عائقا أمام ممارسة مهنة المحاماة.
غير أن هذا الاعتراف يتوقف، بصورة فاضحة، عندما يتعلق الأمر بالمشاركة السياسية. ففي المجال المهني، يستطيع المحامي المغربي المقيم بالخارج أن يفتح مكتبا إضافيا، وأن يسجل نفسه في جدول إحدى الهيئات، وأن يمارس مهنة تتصل مباشرة بحقوق الغير ومصالحهم. أما في المجال الانتخابي، فلا يزال حقه في التصويت المباشر محاطا بقيود تجعل حضوره السياسي أقل مباشرة من حضوره المهني، إذ يُدفع إلى ممارسة التصويت بواسطة وكالة.
وهنا تبرز المفارقة بوضوح جارح: يُسمح للمواطن بأن يتولى الدفاع عن حقوق الآخرين أمام المؤسسات القضائية، لكن لا يُسمح له، بالقدر نفسه من الثقة التشريعية، بأن يتولى بنفسه التعبير عن إرادته السياسية أمام صندوق الاقتراع. يبدو الأمر، في صياغة ساخرة، كما لو أن المشرع يقول له: يمكنك أن تترافع باسم موكلك، وأن تدير مكتبا، وأن تتحمل مسؤولية مهنية كاملة؛ أما صوتك الشخصي، فالأفضل أن ترسله مع شخص آخر.
ولا يتعلق الأمر هنا بالمقارنة بين مهنة المحاماة وحق التصويت من حيث القيمة أو الطبيعة، فلكل منهما مجاله ووظيفته القانونية. وإنما يتعلق الأمر باختبار مدى انسجام فلسفة التشريع مع مبدأ المواطنة، ولا سيما حين يتعلق الأمر بمغاربة العالم. فإذا كان المحامي المغربي المقيم بالخارج مؤهلا لممارسة مهنة قانونية داخل المغرب، فلماذا لا يُعامل المواطن المغربي المقيم بالخارج باعتباره مؤهلا، بالقدر نفسه، لممارسة حقه السياسي بصورة شخصية ومباشرة؟
إن حق التصويت ليس حقا قابلا للتفويض بالمعنى الكامل؛ لأنه تعبير فردي عن الإرادة السياسية، وامتداد مباشر للصفة المواطنة. فالوكالة قد تكون مقبولة في بعض التصرفات المدنية أو المهنية، حيث ينوب شخص عن آخر في إجراء محدد، لكنها تثير إشكالا جوهريا عندما يتعلق الأمر بتكوين الإرادة الانتخابية ذاتها. فالصوت الانتخابي ليس مجرد إجراء إداري يمكن إنجازه بواسطة الغير، بل هو موقف سياسي شخصي لا يستمد مشروعيته إلا من صدوره عن صاحبه.
ومن ثم، فإن المفارقة لا تكمن في أن المشرع نظم ممارسة المحاماة بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، فهذا تنظيم مشروع ومفهوم، وإنما تكمن في أن الاعتراف بالأهلية المهنية لم يواكبه اعتراف مماثل بالأهلية السياسية المباشرة. لقد بدا المشرع مستعدا لتجاوز الحدود الجغرافية عندما تعلق الأمر بفتح مكتب للمحاماة، لكنه ظل أكثر تحفظا عندما تعلق الأمر بفتح الطريق أمام المواطن إلى صندوق الاقتراع.
وتتجسد المفارقة في أبسط صورها في أن المحامي المغربي المقيم بالخارج يستطيع أن يأتي إلى المغرب ليفتح مكتبا ويمارس مهنته، بينما المواطن المغربي نفسه، عندما يريد أن يأتي ليضع ورقة في صندوق الاقتراع تعبر عن إرادته السياسية، قد يُطلب منه أن يوكل شخصا آخر للقيام بذلك نيابة عنه.
إنه وضع يمكن تلخيصه، بقدر من السخرية، بالقول: المواطن المغربي المقيم بالخارج يستطيع أن يمارس مهنته بنفسه، وأن يدافع عن حقوق غيره، وأن يلتزم بمسؤوليات مهنية داخل المغرب؛ لكنه لا يستطيع، بالوضوح نفسه، أن يمارس صوته بنفسه.
وعليه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أصبح من الأسهل على المشرع أن يمنح مغربي العالم حق ممارسة مهنة داخل المغرب، من أن يمنحه حق ممارسة مواطنته السياسية بصورة مباشرة؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فإن الأمر لا يعود مجرد مفارقة قانونية عابرة، بل يكشف عن اختلال صارخ في ترتيب الأولويات التشريعية، حيث تبدو الثقة في الكفاءة المهنية أوسع من الثقة في الإرادة السياسية.
إنها، في نهاية المطاف، مفارقة تتجاوز وضع المحامي المغربي المقيم بالخارج، لتطرح سؤالا أعمق حول مفهوم المواطنة في التشريع المغربي: كيف يمكن الاعتراف بالمواطن مهنيا، مع التحفظ على الاعتراف به سياسيا؟ وكيف يمكن السماح له بأن يمارس مهنة تقوم على التمثيل والدفاع، مع حرمانه من ممارسة حق شخصي لا ينبغي أن يمثله فيه أحد؟
قد يكون للمشرع تفسيره، وقد تكون له اعتبارات تنظيمية أو تقنية أو سياسية. غير أن هذه الاعتبارات، مهما كانت، لا ينبغي أن تحول المواطن المقيم بالخارج إلى مواطن كامل الأهلية عندما يتعلق الأمر بالعمل، وإلى مواطن ناقص الحضور عندما يتعلق الأمر بالتصويت. فالمواطنة، في منطقها الدستوري، لا ينبغي أن تكون قابلة للتجزئة بحسب المجال: مهنية عند الحاجة، وسياسية عند الضرورة، وبالوكالة عندما يصبح الحضور المباشر غير مريح.
فإذا كان المحامي المغربي المقيم بالخارج يستطيع أن يفتح مكتبا في المغرب، فالأجدر أن يُفتح له أيضا باب المشاركة السياسية المباشرة؛ لأن ممارسة المهنة قد تتم بالنيابة، أما ممارسة المواطنة فلا ينبغي أن تتم إلا بصاحبها.
Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail