التعاقد الحركي وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية: كيف تصبح الرسمية واقعا في حياة المواطن؟

*✍️زهير أصدور

قراءة في التعاقد الحركي – الحلقة التاسعة من 14

منذ أن أقر الدستور الأمازيغية لغة رسمية للدولة، انتقل السؤال من الاعتراف إلى التفعيل: كيف تصبح هذه الرسمية واقعا يلمسه المواطن في المدرسة والإدارة والمحكمة والمستشفى والإعلام والفضاء الرقمي؟

من هذا المنطلق يعالج المحور التاسع من «التعاقد الحركي» مسألة تسريع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ليس باعتبارها ملفا ثقافيا أو هوياتيا معزولا، بل باعتبارها قضية مواطنة وخدمة عمومية وتنمية وخلق للثروة.

فالرسمية لا تكتمل بمجرد حضور الأمازيغية على واجهات المؤسسات أو في بعض الوثائق، وإنما حين يستطيع المواطن استعمالها فعليا في علاقته بالمرفق العمومي، وحين يجدها أبناؤه في المدرسة، ويحصل بها على الخدمات الإدارية والصحية والقضائية، ويجدها حاضرة في الإعلام والمنصات الرقمية التي أصبحت جزءا أساسيا من الحياة اليومية.

في التعليم، يتعلق الأمر بالانتقال من حضور محدود إلى إدماج أكثر انتظاما واستمرارية، وهو ما يقتضي توفير المدرسين المؤهلين والتكوين والوسائل البيداغوجية الضرورية. فتعميم لغة داخل المدرسة لا يتحقق بقرار إداري فقط، بل يحتاج إلى موارد بشرية ومناهج واضحة واستمرارية عبر المسار الدراسي.

والأمر نفسه ينطبق على الإدارة وباقي المرافق العمومية. فالمواطن لا ينبغي أن يشعر بأن استعمال إحدى اللغتين الرسميتين للدولة يشكل عائقا في علاقته بالإدارة أو القضاء أو الصحة أو الجماعات الترابية. والمطلوب أن تصبح الأمازيغية، تدريجيا وبصورة عملية، لغة يمكن أن تقدم بها الخدمة، وأن يحصل بها المواطن على المعلومة ويتواصل بها مع المرفق العمومي.

وفي زمن تتجه فيه الخدمات الإدارية بسرعة نحو الرقمنة، لا يمكن أن يبقى تفعيل الطابع الرسمي خارج المجال الرقمي. فالمنصة الإدارية والخدمة الإلكترونية والمعلومة العمومية والتطبيقات الرقمية أصبحت امتدادا مباشرا للمرفق العمومي، وحضور الأمازيغية فيها لم يعد مسألة شكلية، بل جزءا من مبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمة.

غير أن التعاقد الحركي يذهب أبعد من هذا البعد الخدمي، حين يربط الأمازيغية أيضا بالاقتصاد والتنمية.
فاللغة والثقافة يمكن أن تتحولا إلى مصدر للقيمة الاقتصادية عندما تتوفر لهما سياسات عمومية واستثمار وتكوين وتسويق وحكامة جيدة. والسينما والموسيقى والمسرح والنشر والصناعة التقليدية والمحتوى الرقمي والترجمة والإعلام والألعاب الإلكترونية كلها مجالات يمكن أن تستفيد من الرصيد اللغوي والثقافي الأمازيغي، وأن تتحول إلى فضاءات للإبداع والمقاولة وخلق فرص الشغل.

كما أن التراث المعماري والحرفي والشفهي لمختلف مناطق المغرب لا ينبغي أن يظل مجرد ذاكرة نحافظ عليها، بل يمكن، حين يتم تثمينه بطريقة مستدامة، أن يصبح جزءا من الاقتصاد المحلي من خلال السياحة الثقافية والإيكولوجية والمنتجات المجالية والتعاونيات والصناعات الإبداعية.

وحين يجد الشاب في خصوصية منطقته فرصة لإطلاق مشروع سياحي أو رقمي، وتتحول المهارة الحرفية المتوارثة إلى منتوج قابل للتسويق، ويصبح التراث المحلي عنصرا في جاذبية الجهة، فإن حماية الثقافة تنتقل من مجرد المحافظة على الذاكرة إلى المساهمة في التنمية وخلق القيمة.

لكن الوصول إلى هذه النتائج يقتضي تجاوز المبادرات المتفرقة نحو سياسات يمكن قياسها ومساءلتها.
ولهذا يقترح التعاقد الحركي التعجيل بإخراج مخططات قطاعية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بأهداف واضحة وآجال محددة ومؤشرات للقياس، مع تحديد المسؤوليات والموارد اللازمة للتنفيذ.

وهذه نقطة أساسية، لأن السياسات العمومية لا تقاس بحجم النوايا أو قوة الخطاب، بل بما يتحقق فعليا على أرض الواقع. فعندما نعرف ماذا سيفعل قطاع التعليم، وما الذي ستنجزه الصحة والعدل والإدارة والإعلام، وفي أي آجال وبأي موارد، يصبح من الممكن الانتقال من إعلان الالتزام إلى تقييم التنفيذ وترتيب المسؤولية.

والمنطق نفسه ينبغي أن يمتد إلى البرامج التنموية الوطنية والجهوية والمحلية. فالأمازيغية ليست شأنا مركزيا فقط، لأن جزءا مهما من رصيدها الثقافي والاقتصادي مرتبط بالمجالات المحلية. ومن هنا تأتي أهمية إدماجها في سياسات التنمية وربطها بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني والسياحة والصناعة التقليدية والمنتجات المجالية، وبفرص تمكين الشباب والنساء.

ولا يتعلق الأمر هنا بخلق تنمية منفصلة باسم الأمازيغية، بل بجعل اللغة والثقافة والخصوصيات المحلية نفسها جزءا من أدوات التنمية.

بعد سنوات من الاعتراف الدستوري وصدور الإطار القانوني المنظم لتفعيل الطابع الرسمي، أصبح الرهان اليوم هو سرعة وجودة التنفيذ.

فتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لا يقاس بعدد الشعارات أو الوثائق، بل بقدرة المواطن على استعمالها والاستفادة بها داخل المدرسة والإدارة والمحكمة والمستشفى والفضاء الرقمي. كما يقاس بقدرتها على أن تتحول إلى رافعة للمعرفة والإبداع والتنمية وخلق فرص الشغل.

وحين تصبح الأمازيغية لغة تعلم وخدمة وإبداع وإنتاج، نكون قد انتقلنا فعلا من الاعتراف الدستوري إلى المواطنة اللغوية الكاملة.

وفي الحلقة المقبلة، ننتقل إلى محور الأسرة وقيم «تمغربيت»، لقراءة ما يقترحه «التعاقد الحركي» بشأن إصلاح الأسرة، وتعزيز القيم المغربية، ودعم الصناعة الثقافية، وصناعة القدوة، وتثمين الهوية الوطنية باعتبارها قوة مجتمعية وتنموية.

*(عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية)

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code