التعاقد الحركي والأمن الغذائي: ماذا نزرع، ولمن ننتج؟

*✍️زهير أصدور
قراءة في التعاقد الحركي – الحلقة الثانية من 14
في إطار «التعاقد الحركي»، الذي تقترح من خلاله الحركة الشعبية سبعين إجراء عمليا موزعة على أربعة عشر محورا، يحتل الأمن الغذائي موقعا أساسيا، لأنه لم يعد مجرد قضية فلاحية أو قطاعية، بل أصبح جزءا من الأمن الاقتصادي والاجتماعي والاستراتيجي للدولة.
فالسؤال اليوم لم يعد فقط: كم ينتج المغرب؟ بل أصبح أعمق من ذلك: ماذا ننتج؟ وبأي موارد ننتج؟ ولمن ننتج؟ وهل ينعكس ما تنتجه أرض المغرب وبحاره فعلا على مائدة المواطن وقدرته على الحصول على حاجياته الغذائية الأساسية بأثمان معقولة؟
لقد كشفت سنوات الجفاف المتتالية، والإجهاد المائي، وتقلبات الأسواق الدولية، وارتفاع أسعار المواد الأولية والأعلاف والطاقة، واضطراب سلاسل التوريد، أن الأمن الغذائي لا يقاس فقط بحجم الإنتاج أو قيمة الصادرات، وإنما بقدرة البلاد على ضمان حاجيات سكانها، وتقليص الارتهان للخارج في المواد الأساسية، والحفاظ في الوقت نفسه على الماء والتربة واستمرارية النشاط الفلاحي.
ومن هنا ينطلق التعاقد الحركي من ضرورة مراجعة النموذج نفسه، لا الاكتفاء بإضافة برامج جديدة إلى برامج قديمة.
ولهذا يقترح عقد مناظرة وطنية لتقييم السياسة الفلاحية المغربية، بمشاركة المؤسسات والمهنيين والغرف الفلاحية والخبراء والباحثين والتنظيمات المعنية، للوقوف بموضوعية على حصيلة الاختيارات والسياسات التي طبعت العقدين الأخيرين، وفي مقدمتها مخطط المغرب الأخضر والجيل الأخضر.
والغاية ليست محاكمة تجربة بأكملها أو إنكار ما تحقق فيها، وإنما الإجابة عن أسئلة أصبحت ملحة: ماذا تحقق للأمن الغذائي؟ ماذا تحقق للفلاح الصغير؟ ما أثر الاختيارات الفلاحية على الماء؟ كيف توزع الدعم بين الفئات والجهات والزراعات؟ وهل تتناسب بنية الإنتاج الحالية مع التحولات المناخية وحاجيات المغاربة؟
فالمناظرة، في تصور التعاقد الحركي، ينبغي أن تقود إلى نموذج فلاحي جديد يوازن بين خمسة اعتبارات لا يجوز الفصل بينها: الأمن الغذائي، والحفاظ على الموارد المائية، وتحسين دخل الفلاح، وتنافسية القطاع، والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
ومن صميم هذا التحول إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة الغذائية. والمقصود هنا ليس الانغلاق على الخارج أو التخلي عن التصدير، فالصادرات الفلاحية تشكل موردا اقتصاديا مهما وتوفر فرص الشغل وتدعم حضور المنتوج المغربي في الأسواق الدولية، وإنما المطلوب ألا تصبح السوق الداخلية أولوية مؤجلة حين ترتفع حاجيات المواطنين أو تضطرب الأسواق العالمية.
ومن هنا يقترح التعاقد إعادة التوازن بين الزراعات التصديرية والزراعات الأساسية، مع إعطاء عناية أكبر للحبوب والقطاني والنباتات الزيتية والأعلاف، باعتبارها مكونات ذات أثر مباشر على الغذاء اليومي للمغاربة وعلى فاتورة الاستيراد وعلى تربية الماشية وإنتاج اللحوم والحليب.
وهنا يصبح السؤال «ماذا نزرع؟» سؤالا استراتيجيا، لأن الهكتار الواحد من الأرض والمتر المكعب من الماء لم يعودا معطيين محايدين في بلد يعاني ضغطا مائيا متزايدا. ولذلك لا يمكن أن تبقى السياسة الفلاحية منفصلة عن السياسة المائية، ولا أن تقاس جدوى بعض الزراعات بقيمتها التجارية وحدها دون احتساب كلفتها المائية وحاجة السوق الوطنية إليها.
ولهذا يتجه التعاقد إلى اعتماد مخططات فلاحية جهوية تراعي الخصوصيات الترابية لكل جهة، ومستوى الموارد المائية، وطبيعة التربة، والتحولات المناخية، والزراعات الأكثر ملاءمة لكل مجال، بدل تصور فلاحي موحد يطبق بالمنطق نفسه على مجالات تختلف في مواردها وإمكاناتها ومخاطرها.
ويكتسي هذا البعد أهمية خاصة بالنسبة إلى المناطق الواحية، التي تحتاج إلى نموذج تنموي خاص يحمي منظوماتها البيئية والاقتصادية والاجتماعية من التدهور، ويضمن استدامة النشاط الفلاحي فيها ويحافظ على مواردها المائية.
كما يراهن التعاقد على تطوير الزراعة الذكية، وتعزيز البحث العلمي والإرشاد الفلاحي، حتى لا يبقى التقدم التكنولوجي حكرا على الاستغلاليات الكبرى. فالتحول الزراعي المطلوب لا يتعلق فقط بشراء معدات حديثة، بل بالاستفادة من المعرفة والتقنيات التي تسمح باقتصاد الماء، وتحسين المردودية، واختيار البذور والزراعات الملائمة، والتنبؤ بالمخاطر المناخية، وتقليص كلفة الإنتاج.
وفي قلب كل ذلك يوجد الفلاح نفسه. فالتعاقد الحركي ينطلق من أن الفلاح، وخاصة الفلاح الصغير، ليس مجرد حلقة إنتاج تتلقى دعما أو تبيع محصولا، وإنما شريك في تحقيق الأمن الغذائي وفي الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والمجالي بالعالم القروي.
وحين يعجز الفلاح الصغير أو الكساب عن الاستمرار بسبب تراكم الديون، أو الجفاف، أو غلاء الأعلاف والبذور والطاقة، فإن الخسارة لا تتوقف عند دخل أسرة واحدة، بل تمتد إلى الإنتاج الوطني، وإلى القطيع، وإلى الهجرة من القرية، وإلى أسعار الغذاء نفسها.
ومن هنا يأتي الالتزام الصريح بإعفاء صغار الفلاحين والكسابة المتضررين من الديون، بما يسمح لهم باستعادة القدرة على الإنتاج بدل البقاء أسرى مديونية راكمتها سنوات استثنائية من الجفاف والأزمات.
ولا ينبغي التعامل مع هذا الإجراء باعتباره مساعدة اجتماعية عابرة، بل باعتباره أيضا إجراء اقتصاديا لحماية قاعدة الإنتاج الفلاحي الصغير والحيلولة دون خروج آلاف المنتجين من الدورة الاقتصادية أو اضطرارهم إلى التخلي عن أراضيهم وقطعانهم.
ويرتبط بذلك إصلاح عميق لمنظومة الدعم الفلاحي.
فالتعاقد لا يقترح فقط زيادة الدعم، وإنما تغيير فلسفته. وهذا فرق جوهري.
إذ تشمل المراجعة مختلف البرامج المرتبطة بالفلاحة وتربية الماشية ووسائل السقي والمعدات والتجهيزات ووحدات التثمين والأعلاف وسلاسل التسويق والتوزيع، حتى ينتقل الدعم من منطق صرف الاعتمادات إلى منطق قياس النتائج.
فليس السؤال كم أنفقت الدولة، وإنما ماذا تحقق مقابل ما أنفقته؟
ولهذا يقترح ربط الدعم العمومي والقطاعي بأهداف واضحة وقابلة للقياس، ومدى مساهمته في الأمن الغذائي، وتحسين الإنتاجية، وتقوية تنافسية المنتج، وتحقيق عدالة أكبر بين الجهات وبين كبار وصغار المستفيدين.
كما يقتضي هذا التوجه اعتماد دفاتر تحملات واضحة، ومؤشرات لقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مع مراعاة الإجهاد المائي والتغيرات المناخية وخصوصيات كل مجال ترابي.
والأهم أن يستفيد الفلاحون الصغار والفلاحة المعيشية بصورة أوسع وأكثر إنصافا من الدعم العمومي، حتى لا يتحول المال العام إلى وسيلة لتوسيع الفوارق داخل العالم الفلاحي بدل تقليصها.
بعبارة أخرى، الدعم ينبغي أن يصبح وسيلة لتوجيه الإنتاج نحو الأولويات الوطنية، لا مجرد تمويل لنشاط اقتصادي أيا كانت آثاره على الماء أو الغذاء أو المجال.
ويمتد هذا المنطق إلى التصدير. فحين يشتد الطلب الداخلي على بعض المنتجات الفلاحية وتبدأ الأسعار في الارتفاع بصورة تمس قدرة المواطن على اقتنائها، يقترح التعاقد ما يسميه «الهدنة التصديرية»، أي إعادة النظر مؤقتا في تصدير بعض المنتجات خلال الفترات التي تكون فيها حاجة السوق الوطنية إليها أكثر إلحاحا.
ولا يعني ذلك إغلاق أبواب التصدير أو الإضرار بالفلاح والمصدر، وإنما اعتماد قاعدة بسيطة: لا ينبغي أن تتحول وفرة المنتج المغربي في أسواق الخارج إلى خصاص أو غلاء مفرط داخل المغرب.
فالتصدير وسيلة لخلق الثروة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى غاية منفصلة عن الأمن الغذائي الوطني.
وتتطلب هذه السياسة أيضا توفر المعلومة. ولذلك يتقاطع هذا المحور مع مقترح إحداث منصة وطنية رقمية لتتبع الأسعار، بما يسمح برصد تطور أثمان المنتجات وتكلفة الإنتاج وهوامش الربح، ويساعد على تحديد مواطن الخلل بين الحقل والسوق والمستهلك.
فقد يكون المنتج موجودا بكميات كافية، لكن تعدد الوسطاء وضعف التخزين واضطراب التوزيع يرفع السعر بصورة لا يستفيد منها الفلاح ولا المستهلك.
أما البحر، فهو الجزء الثاني من معادلة الأمن الغذائي الذي لا ينبغي اختزاله في الفلاحة وحدها.
فالمغرب يتوفر على واجهتين بحريتين وثروة سمكية مهمة، ومع ذلك لا تنعكس هذه الوفرة دائما على سعر السمك وعلى حضوره المنتظم في مائدة الأسر المغربية.
لذلك يقترح التعاقد الحركي مراجعة السياسة الوطنية للصيد البحري وربطها بصورة أوضح بالأمن الغذائي، من خلال تقييم حصيلة السياسات المعتمدة في القطاع، بما فيها مخطط «أليوتيس»، وإعادة التوازن بين تنمية الصادرات وحق السوق الوطنية في الاستفادة من الثروة السمكية.
فالسمك ينبغي أن يكون بديلا غذائيا حقيقيا ومتاحا للحوم بالنسبة إلى الأسر، لا منتوجا تزخر به السواحل ويظل بعيدا عن القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين.
وفي هذا الإطار يأتي مقترح إخضاع صادرات بعض الأصناف السمكية الاستراتيجية، عندما تتجاوز الكميات المصدرة منها 50 في المائة من الإنتاج الوطني، لآلية جبائية خاصة ومتدرجة، بهدف تشجيع توجيه جزء أكبر من الإنتاج إلى السوق الداخلية.
والأهم أن تكون عائدات هذه الآلية موجهة إلى تحسين سلاسل التخزين والتبريد والتوزيع، ودعم استقرار الأسعار، لأن المشكل لا يوجد في كمية الأسماك المصطادة وحدها، بل أيضا في الطريق الذي تسلكه بين الميناء والمستهلك.
ولهذا يقترح التعاقد كذلك الاستثمار في بنيات التخزين والتبريد والنقل، وتطوير أسواق سمك جهوية عصرية، وتقوية الصناعات التحويلية وشبكات التوزيع، حتى تستطيع الثروة السمكية الوصول إلى مختلف جهات المملكة في ظروف أفضل وبكلفة أقل.
ويظل كل ذلك مرتبطا بشرط أساسي هو استدامة المخزون السمكي، لأن الأمن الغذائي لا يمكن بناؤه باستنزاف المورد الذي يقوم عليه. ومن ثم فإن حماية الثروة البحرية وتحسين أوضاع مهنيي القطاع وتقوية أدوار الغرف المهنية ينبغي أن تسير بالتوازي مع ضمان حصة عادلة للسوق الوطنية.
كما أن حماية الإنتاج الفلاحي والرعوي، خاصة في المناطق الجبلية والقروية، لا تنفصل عن معالجة بعض الأعباء التي تثقل كاهل الساكنة والمنتجين، ومنها الذعائر المرتبطة بالمجال الغابوي، ضمن رؤية توازن بين حماية الغابة وحقوق الساكنة المحلية واستمرار أنشطتها الاقتصادية.
إن الخيط الذي يجمع هذه الإجراءات جميعا هو الانتقال من سياسة تقيس نجاحها بحجم الاستثمار والإنتاج والصادرات إلى سياسة تسأل أيضا عن أثر كل ذلك على المواطن والفلاح والماء والمجال.
فالأمن الغذائي ليس أن ننتج أكثر فقط، بل أن ننتج ما نحتاج إليه، في المكان المناسب، وبالماء المتاح، وأن يحصل المنتج على دخل يسمح له بالاستمرار، وأن تصل المواد الغذائية إلى المواطن بسعر يمكنه تحمله.
وهو أيضا أن نعرف متى يكون التصدير مكسبا للاقتصاد، ومتى يصبح من الضروري إعطاء الأولوية للسوق الداخلية؛ وأن نعرف أين يذهب الدعم العمومي، ومن يستفيد منه، وما النتيجة التي حققها؛ وأن تتحول الثروة السمكية من رقم في الصادرات إلى غذاء متاح على موائد المغاربة.
بهذا المعنى، لا يطرح التعاقد الحركي سؤال الفلاحة باعتبارها قطاعا منعزلا، وإنما باعتبارها جزءا من معادلة أوسع تجمع الغذاء والماء والمجال والعدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية.
والتحدي الحقيقي هو بناء فلاحة قادرة على الصمود في زمن ندرة المياه، وفلاح يستطيع الاستمرار في أرضه، وإنتاج أساسي يقلص التبعية للخارج، ودعم عمومي تقاس قيمته بأثره لا بحجمه، وتصدير لا يكون على حساب حاجيات السوق الوطنية، وثروة بحرية يجد المواطن أثرها فعلا في مائدته.
ومن هنا يظل السؤال الذي اختاره هذا المحور سؤالا بسيطا في صياغته، لكنه عميق في مضمونه:
ليس فقط كم ننتج وكم نصدر، وإنما ماذا نزرع، ولمن ننتج، وكيف نضمن أن يكون للمواطن المغربي نصيبه العادل من خيرات أرضه وبحره؟
في الحلقة المقبلة: الاقتصاد المنتج والجهوي… كيف نجعل الاستثمار يخلق الثروة وفرص الشغل في كل جهات المغرب؟.
*(عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية)
































اترك تعليقاً