التعاقد الحركي والشباب والتشغيل: كيف نحول الانتظار إلى فرص؟

*✍️زهير أصدور

قراءة في التعاقد الحركي – الحلقة السابعة من 14

لا تبدأ مشكلة تشغيل الشباب يوم يتخرج الشاب ويبحث عن وظيفة، بل تبدأ قبل ذلك: من المدرسة، ومن فرص التكوين، ومن الفضاءات المتاحة لاكتشاف المواهب، ثم من قدرة الاقتصاد على تحويل الكفاءات إلى فرص حقيقية.

من هذه الزاوية يمكن قراءة الإجراءات 33 إلى 40 في «التعاقد الحركي». فهي لا تتعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد باحثين عن العمل، بل تقترح مسارا يبدأ ببناء الشخصية وينتهي بالتشغيل أو المبادرة الاقتصادية.

البداية من إعادة إحياء دور الشباب وتحويلها إلى فضاءات للتكوين والإبداع والثقافة والرياضة. فالشاب يحتاج، إلى جانب المدرسة والأسرة، إلى فضاء عمومي يستطيع فيه أن يطور موهبته ويكتشف قدراته ويتعلم مهارات جديدة.

وفي الاتجاه نفسه يأتي تصور مدرسة تبني الشخصية، من خلال تعزيز الأنشطة الموازية والمواطنة والإبداع داخل المؤسسات التعليمية. لأن المدرسة لا ينبغي أن تصنع الشهادة فقط، بل أن تساعد المتعلم على اكتساب مهارات التواصل والمبادرة والعمل الجماعي والثقة بالنفس.

أما الشباب الموجودون خارج الدراسة والتكوين والشغل، فيقترح التعاقد منحهم فرصة ثانية من خلال «شيك التكوين»، حتى لا يصبح الانقطاع عن الدراسة حكما دائما بالإقصاء، بل تفتح أمامهم إمكانية اكتساب مهارة تقود إلى عمل أو مهنة.

ويقترح أيضا تعميم بطاقة الشباب وتوسيع الخدمات والتخفيضات المرتبطة بها في المجالات الثقافية والاجتماعية والرياضية. والرهان هنا هو أن تصل هذه الخدمات إلى الشباب في المدن الصغيرة والقرى والجبال، لا أن تبقى امتيازاتها مرتبطة بالمراكز الكبرى.

ويمنح التعاقد للرياضة مكانة خاصة من خلال اقتراح وزارة مستقلة للرياضة وسياسة وطنية تجعل الرياضة مجالا للتربية والصحة والاندماج، ولكن أيضا قطاعا اقتصاديا قادرا على الاستثمار وخلق فرص الشغل.

غير أن كل هذه الإجراءات ستقود في النهاية إلى السؤال الأصعب بالنسبة للشباب:
أين هي الفرصة؟ هنا ينتقل التعاقد مباشرة إلى التشغيل والمقاولة.
فهو يقترح تبسيط إنشاء المقاولات عبر مسار رقمي موحد وسريع، لأن حامل الفكرة لا ينبغي أن يبدأ مشروعه بمعركة مع المساطر الإدارية.

كما يقترح تحفيز المقاولات الصغيرة على التشغيل من خلال إعفاءات ومزايا ترتبط بإحداث مناصب شغل فعلية. وهو توجه مهم، لأن دعم المقاولة ينبغي أن يقاس أيضا بما تضيفه إلى سوق العمل.

أما الإجراء الأخير فيقوم على بناء منظومة ذكية للتشغيل تعتمد البيانات والرقمنة، وتساعد على الربط بين الباحث عن العمل والمقاولة وفرص التكوين، مع مواكبة الشباب الباحثين عن أول فرصة مهنية.

ويمكن للتكنولوجيا أن تساعد هنا، لكنها لن تكون بديلا عن سياسة اقتصادية قادرة على إنتاج فرص الشغل نفسها. فالمنصة تستطيع أن تقرب الباحث عن العمل من الفرصة، لكنها لا تستطيع أن تخلقها إذا لم يخلقها الاقتصاد.

وعند جمع هذه الإجراءات، تظهر الفكرة الأساسية لهذا المحور:
ألا ننتظر وصول الشاب إلى البطالة حتى نبدأ التفكير فيه.

المسار يجب أن يبدأ من مدرسة تبني الشخصية، ودار شباب تحتضن الموهبة، وتكوين يمنح فرصة ثانية، ورياضة وثقافة توسعان الآفاق، ثم إدارة تسهل المشروع، ومقاولة تجد حافزا للتشغيل، ومنظومة تساعد الشاب على الوصول إلى أول فرصة.

ويبقى الاختبار الحقيقي في النتائج:
كم شابا انتقل فعلا من التكوين إلى العمل؟
وكم مقاولة أحدثت مناصب شغل؟
وهل وصلت الفرص إلى شباب القرى والجبال والمدن الصغيرة كما وصلت إلى المراكز الكبرى؟

لأن سياسة الشباب لا تقاس بعدد البرامج التي تحمل أسماءهم، بل بقدرتها على إخراجهم من قاعة الانتظار إلى فضاء الفرص.

في الحلقة القادمة: سكن لائق ومدن أفضل.

*(عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية)

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code