السقطة الكبرى: حين انحاز بعض الإعلام إلى التفاهة وحول الأحزاب إلى عدو

✍️محمد مشهوري

 هناك لحظات لا يعود فيها السؤال: ماذا يفعل الإعلام؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: لمن يخدم الإعلام، وما الذي يريد أن يصنعه في وعي الناس؟.

في المغرب، كما في غيره من المجتمعات، لا يمكن أن نضع كل وسائل الإعلام في سلة واحدة، ولا أن ننكر وجود منابر مهنية وجادة تؤدي أدوارًا مهمة في الإخبار والتحقيق والمساءلة. لكن ذلك لا يمنع من تسجيل ظاهرة مقلقة آخذة في الاتساع: بعض المنابر الإعلامية بدأت تفقد البوصلة، وتخلط بين الصحافة والاستعراض، وبين النقد والعداء، وبين صناعة الرأي وصناعة الضجيج. وهنا تبدأ السقطة.

لم تعد التفاهة مجرد ظاهرة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لقد أصبحت، في بعض الحالات، صناعة قائمة بذاتها.

شخصية لا تقدم شيئًا للمجتمع تصبح “نجمة”، وتصريح عابر يتحول إلى قضية وطنية، ومشاجرة شخصية تستحق العناوين، وحياة الناس الخاصة تتحول إلى مادة للاستهلاك الجماهيري.

لماذا؟

لأن التفاهة سهلة التسويق، سريعة الانتشار، ولا تحتاج إلى تحقيق طويل أو وثائق أو بحث أو مراسلين. يكفي عنوان مستفز، وصورة مثيرة، وقليل من المبالغة، لتشتعل المنصات.

لكن الإعلام الذي يطارد “الترند” في كل لحظة قد يربح المشاهدات، ويخسر شيئا أهم بكثير: ثقة الناس واحترام المهنة.

فالصحافة ليست سباقا لجمع النقرات، وليست مسابقة في من يستطيع إحداث أكبر قدر من الضجيج.

الصحافة مسؤولية.

الأكثر إثارة للانتباه هو أن بعض المنابر لم تكتفِ بالانحياز إلى منطق التفاهة، بل ذهبت أبعد من ذلك، حين جعلت من الأحزاب السياسية خصما إعلاميا دائما.

لا أحد يطالب الإعلام بأن يجامل الأحزاب. بل العكس تماما.

الإعلام القوي هو الذي يسأل السياسي عن وعوده، ويفحص برنامجه، ويتتبع أداءه، ويكشف مواطن الخلل، ويضع المسؤول أمام الرأي العام. وهذه وظيفة نبيلة وأساسية في أي مجتمع ديمقراطي.

لكن هناك فرق  شاسع  بين المساءلة والعداء.

فالصحافي الذي يطرح سؤالا صعبا يؤدي واجبه، أما المنبر الذي يبحث باستمرار عن كل ما يمكن أن يدين حزبا بعينه، ويحول كل موقف إلى مناسبة للهجوم، ويقرأ كل تصريح بأقصى درجات السوء، فإنه يغادر تدريجيا منطقة الصحافة ويدخل منطقة أخرى.

المشكلة ليست أن الإعلام ينتقد الأحزاب؛ المشكلة أن يتحول الحزب إلى “عدو إعلامي” بصرف النظر عن أدائه الفعلي.

وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام صحافة تمارس الرقابة على العمل السياسي، أم أمام بعض المنابر التي دخلت هي نفسها إلى حلبة الصراع السياسي؟

من الضروري أن يفهم السياسيون أن الإعلام ليس مكتبا للعلاقات العامة، وأن الصحفي ليس موظفا لدى الحزب. لكن من الضروري، في المقابل، أن يفهم بعض الإعلاميين أن الصحافة ليست سلطة بلا حدود ولا حصانة من النقد.

كما يحق للصحافي أن يسأل، يحق للمواطن أن يسأل الصحافي: لماذا هذا الموضوع الآن؟ لماذا هذه الزاوية؟ لماذا يتم تضخيم هذه القضية وتجاهل أخرى؟ ولماذا يُعامل هذا السياسي بهذه القسوة، بينما يمنح آخر مساحة مختلفة؟

هذه الأسئلة لا تعني تقييد الصحافة، بل تعني شيئا واحدا  أن الإعلام نفسه جزء من المجال العمومي، وبالتالي فهو مطالب بالشفافية والمهنية والمسؤولية.

فإذا كانت الأحزاب مطالبة بأن تشرح قراراتها للرأي العام، فإن وسائل الإعلام مطالبة أيضا بأن تحترم عقل هذا الرأي العام.

أخطر ما يمكن أن يحدث للسياسة حين تتحول السياسة إلى فضائح، والبرامج إلى مشاحنات، والسياسيون إلى شخصيات للفرجة، فإن الخاسر الأول ليس الحزب وحده.

الخاسر هو المواطن.

لأن المواطن الذي لا يرى في السياسة سوى الصراخ والاتهامات والفضائح، سرعان ما يفقد اهتمامه بالشأن العام. وعندما يفقد المواطن اهتمامه بالسياسة، تصبح الساحة فارغة أمام العزوف واللامبالاة وفقدان الثقة.

وهنا تلتقي التفاهة مع الإعلام المعادي للسياسة في نتيجة واحدة: إفراغ المجال العمومي من مضمونه.

فبدل أن نتناقش حول التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار والثقافة والعدالة الاجتماعية، نجد أنفسنا نناقش من قال ماذا، ومن هاجم من، ومن تصدر “الترند”.

وهكذا يتحول المجتمع من مجتمع يناقش القضايا إلى جمهور يستهلك المشاهد. من يربح من كل هذا؟

السؤال الأهم ربما ليس: من المخطئ؟بل: من المستفيد؟

من المستفيد عندما تصبح التفاهة أكثر جاذبية من المعرفة؟

من المستفيد عندما يتحول السياسي إلى مادة للهجوم المجاني بدل أن يكون موضوعًا للمساءلة؟

من المستفيد عندما يصبح النقاش حول البرامج أقل إثارة من الخلافات الشخصية؟

ومن المستفيد عندما يفقد المواطن ثقته في الإعلام والسياسة معا؟

هذه أسئلة أكبر من مجرد خلاف بين صحافي وحزب، أو بين منبر وشخصية سياسية. إنها أسئلة تتعلق بمستقبل المجال العمومي نفسه.

الإعلام الذي نحتاجه.نحن لا نحتاج إعلاما يصفق للأحزاب، كما أننا لا نحتاج إعلاما يعاديها.

نحتاج إعلاما يضع الجميع تحت الضوء نفسه.

إعلاما لا يخاف من الوزير، ولا يجامل المسؤول، ولا يحول السياسي إلى شيطان لمجرد اختلافه معه، ولا يحول “صانع التفاهة” إلى نجم لمجرد أنه يحقق المشاهدات.

نحتاج صحافة تستطيع أن تقول للحزب: أخطأت.وتستطيع في الوقت نفسه أن تقول للمسؤول: أجب. وتستطيع أن تقول للمؤثر: لا تقدم لنا الفراغ على أنه إنجاز.

وتستطيع قبل كل ذلك أن تقول لنفسها: نحن أيضا مطالبون بالمهنية.

فالاستقلالية الحقيقية ليست أن تكون ضد الجميع، وليست أن تكون مع الجميع؛ وإنما أن تكون مع الحقيقة والمصلحة العامة.

وفي النهاية، فإن أخطر سقوط يمكن أن يعرفه الإعلام ليس أن يرتكب خطأ مهنيا ، فالخطأ يمكن تصحيحه، وإنما أن يفقد إحساسه بالرسالة.

عندما يصبح “الترند” أهم من الحقيقة، تصبح التفاهة إعلاما.

وعندما تصبح الخصومة أهم من المساءلة، تصبح الصحافة طرفا.

وعندما يصبح الحزب عدوا دائما، والسياسي مادة للسخرية، والمواطن مجرد مستهلك للفضائح، فإننا لا نكون أمام إعلام يمارس دوره في بناء النقاش العمومي، بل أمام إعلام يشارك، بوعي أو بدونه، في هدمه.

وهنا تحديدا تكمن السقطة الكبرى.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code