صور بالجملة… ومواقف بالتقسيط! حين تتحول المسؤولية البرلمانية إلى استعراض أمام الكاميرات
✍️ صليحة بجراف
من المؤسف أن تتحول بعض الممارسات داخل المؤسسات التشريعية إلى مشاهد تثير الاستغراب والاستياء، بدل أن تكون عنوانا للجدية والالتزام وتحمل المسؤولية. والأكثر إثارة للاستغراب أن يعتقد البعض أن صناعة الحضور السياسي تمر عبر استعراض الحركات أمام الكاميرات، وافتعال المشاهد بحثا عن صور تستقطب الإعجابات، وكأن قيمة العمل البرلماني تقاس بعدد الصور المنشورة، لا بحجم الإنجازات والمواقف.
فإثبات الذات لا يكون بالتظاهر بالاشتغال، ولا باستعراض الملفات أمام عدسات المصورين، وإنما بالعمل الجاد، والاستعداد للمناقشة، والدفاع عن قضايا المواطنين. فهناك فرق كبير بين من يشتغل فعلا ويترك بصمته، ومن يكتفي بصناعة مشاهد توحي بالعمل دون أن تعكس بالضرورة حقيقة ما ينجز.
ولعل ما يجعل هذه السلوكات أكثر إزعاجا أنها تصدر عن بعض البرلمانيات، في الوقت الذي أثبتت فيه المرأة المغربية حضورها وقدرتها على تحمل المسؤوليات الكبرى، ووصلت نساء مغربيات إلى مواقع حكومية ومؤسساتية رفيعة بفضل كفاءتهن واستحقاقهن.
وأقول هذا الكلام من منطلق شخصي أيضا، فأنا، كامرأة، أفرح كلما رأيت امرأة مغربية تصل إلى موقع متقدم بفضل اجتهادها وكفاءتها، وأعتبر نجاحها مكسبا للمرأة المغربية عموما، لكن اعتزازي بالمرأة لا يمنعني، بصفتي صحفية، من انتقاد بعض التصرفات التي أعاينها، لأن المسؤولية المهنية تفرض علي التعبير عن موقفي مما يستحق النقد، دون انتقاص من أحد أو تشهير به.
ومناسبة هذا الكلام ما عشته يوم الاثنين 2 نونبر 2026، خلال يوم كامل قضيته بمجلس النواب، ابتداء من اللقاء التأطيري الداخلي الذي نظمه فريق الحركة الشعبية حول مشروع قانون المالية لسنة 2027، مرورا بالجلسة المشتركة لمجلسي النواب والمستشارين حول الوحدة الوطنية، وصولا إلى الجلسة الأسبوعية للأسئلة الشفوية.
وخلال هذا الحضور، استوقفني مشهد برلمانية وصلت متأخرة عن موعد اللقاء، لكنها سرعان ما وجدت الوقت لاستنفار أحد الحاضرين، وهو مصور يكاد يكون في عمر والدها، لالتقاط صور لها وهي تفتح ملفا وتتصفح أوراقه، في مشهد بدا أقرب إلى جلسة تصوير معدة سلفا منه إلى ممارسة عادية للعمل البرلماني.
وبقدرة قادر، تحول مصور اللقاء إلى مصور خاص، وأصبحت الملفات مجرد إكسسوارات في مشهد استعراضي يراد منه إظهار البرلمانية وكأنها منهمكة في الاشتغال. يا للمفارقة! تأخرت عن موعد اللقاء، لكنها حرصت على ألا تتأخر عن موعد التصوير.
وهنا يحق لنا أن نتساءل، هل أصبح الحضور البرلماني يقاس بزوايا التصوير وجودة اللقطات، بدل جودة المداخلات وعمق النقاشات وقوة المواقف؟ وهل يكفي فتح ملف أمام الكاميرا لإقناع المواطنين بأننا أمام برلمانية تمارس مهامها كما ينبغي؟.
إن الوصول إلى البرلمان عبر اللوائح الانتخابية حق مشروع، ولا ينتقص من قيمة أي امرأة أو من شرعية تمثيليتها، كما أن الوصول عبر الدوائر المحلية لا يمنح صاحبه امتيازا على غيره. فالمقعد البرلماني، أيا كانت طريقة الوصول إليه، يفرض على صاحبه إثبات الجدارة والاستحقاق. فاللائحة قد تفتح باب البرلمان، لكن الكفاءة والعمل الجاد والمواقف المسؤولة هي التي تصنع المكانة السياسية.
ليس العيب أن تصلي إلى البرلمان عبر اللائحة، وإنما العيب أن تصلي إلى قبة التشريع دون أن تتركي فيها أثرا يستحق الذكر.
يا سيدتي النائبة المحترمة..
ارتقي بمستوى حضورك، وكوني في مستوى المسؤولية التي تحملتها. لا تجعلي الصورة تختزل شخصيتك، ولا تسمحي للاستعراض بأن يطغى على كفاءتك. لسنا في حاجة إلى صور لبرلمانيات يتصفحن الملفات أمام الكاميرات، بل إلى برلمانيات يقرأن تلك الملفات بتمعن، ويدرسن مضامينها، ويفككن تفاصيلها، ويناقشن انعكاساتها على حياة المواطنين.
فمشروع قانون المالية لسنة 2027 ، مثلا مادمنا اليوم بصدد منافشته، ليس مجرد وثيقة تفتح صفحاتها لالتقاط الصور، بل هو مشروع يستوجب قراءة دقيقة ومناقشة جادة لخياراته الاقتصادية والاجتماعية والجبائية، والبحث عن حلول حقيقية لمواجهة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، وحماية الأسر والفئات الهشة والمتوسطة.
نريد مداخلات قوية، ومواقف مسؤولة وشجاعة في مساءلة الوزراء، ومرافعات صادقة دفاعا عن قضايا القرى والمداشر والدواوير التي منحت أصواتها لممثليها. فالمواطنون لا ينتظرون صورا توثق تقليب الصفحات، وإنما ينتظرون مواقف تترجم ثقتهم إلى إنجازات.
فالبرلمان ليس ملكية شخصية، ولا ديكورا لصناعة المحتوى الرقمي، ولا منصة لاستعراض الأزياء والحضور أمام العدسات. إنه مؤسسة دستورية، وعضويتها تكليف قبل أن تكون تشريفا، وأمانة قبل أن تكون امتيازا.
وتزداد أهمية هذه المسؤولية ونحن مقبلون على استحقاقات انتخابية مفصلية سنة 2027، نطمح من خلالها إلى مشاركة واسعة للمغاربة، وتجاوز مظاهر العزوف الانتخابي وفقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة. لكن كيف نطلب من المواطنين الإقبال على صناديق الاقتراع، بينما تصدر عن بعض المنتخبين ممارسات لا تزيدهم إلا إحباطا ونفورا من السياسة والسياسيين.
إن استعادة ثقة المواطن تبدأ من سلوك ممثليه، ومن احترامهم للمؤسسات التي ائتمنهم عليها، وإدراكهم أن المسؤولية البرلمانية ليست امتيازا للظهور والاستعراض، بل التزام حقيقي تجاه الوطن والمواطن.
يا سيدتي النائبة المحترمة..
لقد منحكن المواطنون ثقتهم لتمثيلهم والدفاع عن قضاياهم والترافع عن انتظاراتهم، لا لمجرد شغل مقاعد تحت قبة البرلمان. فاحرصن على أن يتذكركن المغاربة بمواقفكن، وبالقضايا التي دافعتن عنها، وبالحقوق التي سعيتن إلى صونها، لا بمجرد الصور التي نشرتنها على مواقع التواصل الاجتماعي.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
فالعبرة بما نقدمه من عمل، وما نتركه من أثر، فالتاريخ البرلماني لا تصنعه عدسات المصورين، وإنما تصنعه العقول التي تفكر، والأصوات التي تدافع عن الحقوق، والمواقف التي تنتصر لمصالح المواطنين.
والله من وراء القصد.


































اترك تعليقاً