محند العنصر… حين تصبح الخبرة السياسية حاجة للمرحلة
✍️ زهير أصدور
ليس من الضروري أن يكون رجل المرحلة وجها جديدا، كما أن التجديد في السياسة لا يعني دائما البحث عن اسم لم يختبر من قبل.
فبعض المراحل تحتاج إلى جرأة الشباب، لكن مراحل أخرى، أكثر تعقيدا، تحتاج قبل كل شيء إلى الذاكرة والخبرة والقدرة على قراءة الدولة والمجتمع والتوازنات في آن واحد.
والمغرب، وهو يتجه إلى مرحلة سياسية جديدة بعد انتخابات 2026، ليس أمام استحقاق انتخابي عادي. فالحكومة المقبلة ستجد أمامها ملفات اجتماعية واقتصادية وترابية ثقيلة، وانتظارات متزايدة، وحاجة واضحة إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعا: هل تحتاج المرحلة المقبلة إلى تجربة جديدة، أم إلى رجل جرب الدولة والسياسة والحكومة والانتخابات وعرفها جميعا من الداخل؟
من هذه الزاوية تحديدا يبرز اسم محند العنصر، ليس باعتباره رئيسا للحركة الشعبية وأحد أبرز وجوهها التاريخية فقط، وإنما باعتباره واحدا من السياسيين القلائل الذين جمعوا بين التجربة الإدارية والحكومية والبرلمانية والترابية والحزبية.
ولد محند العنصر سنة 1942 بمنطقة إيموزار مرموشة بإقليم بولمان، وتابع تكوينه في مجال البريد والمواصلات ثم بالمدرسة الوطنية للإدارة العمومية، قبل أن يتدرج في المسؤوليات الإدارية داخل قطاع البريد والمواصلات إلى أن وصل إلى الكتابة العامة للوزارة. والتحق بالحركة الشعبية سنة 1975، وانتخب أمينا عاما لها سنة 1986، وظل في موقع القيادة إلى غاية مؤتمر 2022، قبل أن يصبح رئيسا للحزب.
لكن قيمة مساره لا تكمن في طول السنوات وحده، بل في طبيعة المسؤوليات التي مارسها.
فقد تولى وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، ثم وزارة الفلاحة والتنمية القروية، ووزارة الدولة، ووزارة الداخلية في حكومة عبد الإله بنكيران، قبل أن يتولى وزارة التعمير وإعداد التراب الوطني، كما تحمل مسؤولية قطاع الشباب والرياضة.
وهذه ليست حقائب حكومية متشابهة. من يدبر الفلاحة يعرف المغرب القروي. ومن يتولى إعداد التراب يعرف الفوارق بين الجهات. ومن يتحمل مسؤولية وزارة الداخلية يعرف بنية الدولة والإدارة الترابية وتعقيداتها. ومن مارس العمل البرلماني يعرف السياسة من جهة التشريع والرقابة. ومن ترأس جهة فاس مكناس يعرف الفارق بين السياسات العمومية كما تصاغ في المركز وبين واقع تنزيلها في المجال الترابي.
وقد أضافت رئاسته لجهة فاس مكناس بين 2015 و2021 إلى مساره الحكومي تجربة ترابية مباشرة، كما أن علاقته بالانتخابات لم تكن يوما علاقة قيادة مركزية تدير المرشحين من الرباط، فقد مثل بولمان في مجلس النواب خلال ولايات متعددة، وظل مرتبطا انتخابيا بمجاله المحلي.
واليوم، في 2026، يعود إلى بولمان ليخوض الاستحقاق بنفسه وكيلا للائحة الحركة الشعبية.
وهنا تحديدا تصبح عودته السياسية ذات معنى.
سيقال إن محند العنصر تجاوز الثمانين، وإن السياسة تحتاج إلى التشبيب وتجديد النخب. وهو نقاش مشروع.
لكن التجديد لا ينبغي أن يتحول إلى حكم سياسي بالعمر، تماما كما لا ينبغي أن يتحول احترام الخبرة إلى رفض لتجديد الأجيال.
السؤال الحقيقي ليس: كم يبلغ عمر السياسي؟
السؤال هو: ماذا راكم خلال ذلك العمر؟ وهل ما يزال قادرا على تقديم شيء للمرحلة؟
فالخبرة السياسية لا تقاس بعدد السنوات فقط، وإنما بعدد الأزمات التي عبرها صاحبها، والقرارات التي شارك فيها، والمؤسسات التي عرفها، والقدرة التي راكمها على التمييز بين الممكن والمستحيل، وبين القرار والشعار.
وهنا يمتلك محند العنصر شيئا يصعب اكتسابه في ولاية حكومية واحدة:
ذاكرة الدولة.
لقد اشتغل مع حكومات مختلفة، وعاصر تحولات سياسية ودستورية واجتماعية كبرى، وعرف المغرب قبل الجهوية المتقدمة وبعدها، وقبل دستور 2011 وبعده، ومارس المسؤولية في قطاعات ترتبط مباشرة بالعالم القروي والمناطق الجبلية والإدارة الترابية.
كما قاد الحركة الشعبية لعقود، وكان من بين الفاعلين في إعادة توحيد جزء مهم من العائلة الحركية سنة 2006، حين اجتمعت الحركة الشعبية والحركة الوطنية الشعبية والاتحاد الديمقراطي داخل تنظيم واحد.
وتلك ليست مسألة بسيطة في تاريخ الأحزاب. فبناء حزب أمر صعب، لكن إعادة جمع حزب تفرق إلى حساسيات وتنظيمات متعددة قد يكون أصعب.
ولعل أهم ما يميز شخصية العنصر أن حضوره السياسي لم يقم، في الغالب، على الصخب أو الشعبوية أو الصدام اليومي. فهو ينتمي إلى مدرسة سياسية تقوم على التفاوض والهدوء وفهم موازين القوى والبحث عن الممكن دون تحويل الاختلاف السياسي إلى عداوة شخصية.
وقد تبدو هذه الصفات للبعض تقليدية، لكنها تصبح ذات قيمة في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى بناء توافقات سياسية واجتماعية، وإلى قيادة قادرة على إدارة التعقيد أكثر من قدرتها على صناعة الضجيج.
ولا يتعلق طرح اسم محند العنصر هنا بمناقشة المواقع التنظيمية داخل الحركة الشعبية أو بمقارنته بقيادتها الحالية، وإنما بالسؤال الأوسع عن الشخصيات التي يمكن أن تضعها نتائج الاقتراع أمام مسؤوليات وطنية أكبر.
فالدستور يجعل رئاسة الحكومة مرتبطة بالحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب، ولذلك فإن أي حديث عن قيادة الحكومة المقبلة يظل، أولا وأخيرا، رهينا بإرادة الناخبين ونتائج صناديق الاقتراع. لكن إذا وضعت نتائج الاقتراع الحركة الشعبية في صدارة الانتخابات، فإن السؤال عن الشخصية الأقدر على قيادة مرحلة معقدة سيصبح مشروعا.
فنحن أمام ملفات الماء والجفاف، وتنمية العالم القروي والجبل، والتشغيل، والعدالة المجالية، وإصلاح الإدارة، والجهوية، واستعادة الثقة في السياسة.
والمفارقة أن معظم هذه الملفات مر محند العنصر، بشكل أو بآخر، من المؤسسات التي تدبرها.
كما أن الحركة الشعبية نفسها ارتبطت تاريخيا بالدفاع عن العالم القروي والجبلي والتعددية والهوية الأمازيغية والإنصاف المجالي، وهي قضايا أصبحت اليوم في قلب النقاش الوطني.
لذلك يمكن للحركي أن يسأل دون عقدة: إذا كان لكل مرحلة رجالها، فلماذا يستبعد مسبقا رجل عرف الإدارة قبل السياسة، والحكومة والمعارضة، والمركز والجبل والقرية، والبرلمان والجهة، ووزارة الداخلية وصندوق الاقتراع؟
ولماذا يفترض أن التجديد السياسي لا يتحقق إلا بوجه جديد، بينما قد تحتاج بعض المراحل إلى رجل راكم ما لا تمنحه التجارب القصيرة؟
محند العنصر لا يحتاج إلى اختراع سيرة له. سيرته موجودة.
ولا يحتاج إلى القول إنه يعرف الدولة، فقد تحمل مسؤوليات داخل مؤسساتها. ولا يحتاج إلى اكتشاف العالم القروي في موسم انتخابي، فهو ابن بولمان. ولا يحتاج إلى تعلم التفاوض مع الأحزاب، فقد أمضى عقودا يمارس السياسة بينها ومعها.
قد يختلف المغاربة في تقييم حصيلته، وهذا طبيعي. وقد يناقشون سنه، وهذا مشروع. وقد تكون لهم اختيارات سياسية أخرى، وهذا جوهر الديمقراطية.
لكن يصعب إنكار أن الرجل يمتلك رصيدا سياسيا ومؤسساتيا وحكوميا وانتخابيا لا يتوفر إلا لعدد محدود من السياسيين المغاربة.
ولذلك قد تعيد انتخابات 2026 طرح سؤال محند العنصر بطريقة مختلفة. ليس فقط:
هل يعود إلى البرلمان؟ بل: هل يمكن أن تعيد الخبرة الطويلة صاحبها إلى قلب القرار التنفيذي؟
ففي السياسة، قد يكون التجديد أحيانا في تقديم وجه جديد، وقد يكون في لحظة أخرى في استعادة رجل خبر الدولة لمهمة جديدة.
وإذا كانت المرحلة المقبلة تبحث عن الهدوء بدل الصخب، وعن المعرفة بدل التجريب، وعن التوازن بدل المغامرة، وعن رجل يعرف المغرب من مركزه إلى جباله وقراه، فإن اسم محند العنصر لا يمكن أن يكون خارج النقاش.
ولعل الرجل الذي يعود اليوم إلى نقطة البداية، بولمان، يكون بصدد فتح فصل جديد، وربما الأكبر في مساره السياسي: من جديد عبر صندوق الاقتراع… وهذه المرة في اتجاه رئاسة الحكومة.



































اترك تعليقاً