المحاماة بعد قرار المحكمة الدستورية: هل انتهت المعركة أم تغيرت أدواتها؟

*✍️زهير أصدور

دخل النزاع الذي خاضته هيئات المحامين بالمغرب ضد القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مرحلة جديدة بعد صدور قرار المحكمة الدستورية بشأن الإحالة المتعلقة بالقانون، ثم نشر النص ودخوله حيز التنفيذ. ولم يعد النقاش، تبعا لذلك، محصورا في مضمون القانون أو في المسار الذي قطعه داخل المؤسسة التشريعية، بل أصبح منصبا كذلك على مستقبل المواجهة المهنية، وحدود أدواتها، وقدرة المؤسسات المهنية على الانتقال من منطق الاحتجاج إلى منطق التدبير الاستراتيجي لمرحلة ما بعد صدور القانون.

وفي هذا السياق تكتسب الرسالة التي وجهها اليوم النقيب عبد الرحيم الجامعي (وهو رئيس سابق لنفس الجمعية في بداية التسعينات) إلى رئيس جمعية هيئات المحامين وأعضاء مجلسها أهمية خاصة، ليس فقط لأنها صادرة عن أحد أبرز الأصوات المهنية والحقوقية في المغرب، وإنما لأنها تطرح، بصورة مباشرة، سؤالا أصبح مطروحا بإلحاح داخل الجسم المهني: هل استمرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية ما زال يمثل الوسيلة الأكثر نجاعة في المرحلة الجديدة، أم أن العودة إلى الممارسة ينبغي أن تكون مدخلا لإعادة بناء المعركة بأدوات أخرى؟

الرسالة لا تقدم جوابا إجرائيا بسيطا، وإنما تقترح قراءة سياسية ومهنية لمسار النزاع. فالجامعي يميل بوضوح إلى خيار العودة إلى المكاتب والمحاكم، لكنه يرفض اختزال هذا الخيار في معنى التراجع أو الهزيمة. وفي تقديره، فإن انتهاء التوقف لا ينبغي أن يعني انتهاء المطالبة بمراجعة القانون، وإنما الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ومن أداة احتجاجية إلى أدوات قانونية ومؤسساتية وسياسية أكثر ملاءمة للمرحلة.

وهذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأن الوضع القانوني والسياسي تغير فعلا.
قبل نشر القانون، كان التوقف عن العمل جزءا من مواجهة مشروع تشريعي لا يزال في طور المسطرة التشريعية. أما بعد نشره، فقد أصبح الأمر يتعلق بنص قانوني نافذ. وبصرف النظر عن الموقف من مضامينه، فإن هذا التحول يفرض إعادة النظر في طبيعة الوسائل التي يمكن أن تستعملها المهنة لتحقيق أهدافها.

كما أن قرار المحكمة الدستورية لم يحسم النزاع حول دستورية القانون من الناحية الموضوعية، وإنما انتهى إلى تعذر البت في الإحالة بسبب الإشكال المسطري المرتبط بالنص المحال عليها. وبذلك بقي الجدل الدستوري والسياسي قائما، لكن ضمن شروط جديدة.

من هذه الزاوية، تبدو رسالة الجامعي محاولة لإعادة ترتيب أولويات المرحلة. فاستمرار التوقف، في نظره، لم يعد بالضرورة أداة حاسمة لتغيير القانون، وقد يتحول، إذا استمر من دون أفق جديد، من وسيلة ضغط إلى عامل استنزاف داخلي. وهو يحذر تحديدا من مخاطر الانقسام والمزايدات وتراجع القدرة على الحفاظ على وحدة الصف المهني.

ولا يتعلق الأمر هنا بتقييم مشروعية الاحتجاج، وإنما بطرح سؤال الجدوى السياسية للأداة الاحتجاجية. فالاحتجاج، في نهاية المطاف، ليس غاية مستقلة عن الهدف الذي يراد تحقيقه، وإنما وسيلة لتحقيق نتيجة محددة. وكلما تغيرت شروط النزاع، يصبح من المشروع إعادة تقييم الوسائل، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الأهداف.

ولعل أكثر ما يميز الرسالة أنها تحاول الفصل بين العودة إلى العمل وبين التخلي عن المعركة. فالعودة، وفق التصور الذي تقترحه، ينبغي أن تكون مؤطرة ببرنامج واضح: تحديد سقف زمني، إبقاء خيار استئناف الاحتجاج قائما، إعداد بدائل تشريعية، فتح قنوات الحوار مع الحكومة المقبلة، توسيع التواصل مع الأحزاب والهيئات الحقوقية والمدنية، ووضع سياسة إعلامية وتواصلية قادرة على الحفاظ على حضور القضية في المجال العام.

وبذلك تتحول المعركة من نزاع حول مشروع قانون إلى مسار طويل لإعادة تشكيل السياسة المهنية للمحاماة.
وهذا التحول يحمل أهمية خاصة في ضوء الانتخابات المهنية المرتقبة. فالعودة إلى الممارسة قد تتيح للمحامين فرصة مناقشة مستقبل مؤسساتهم وبرامجهم المهنية بعيدا عن ضغط التوقف المستمر، خصوصا أن المرحلة المقبلة ستفرز قيادات جديدة سيكون عليها التعامل مع تداعيات القانون، ومع التحديات التي تواجه المهنة في علاقتها بالمشرع والحكومة والقضاء والمجتمع.

غير أن الرسالة تذهب أبعد من ذلك، حين تدعو إلى حماية ما تسميه عمليا الرأسمال البشري الذي أفرزته هذه التجربة. فقد كشفت أشهر الاحتجاج عن قدرة الجسم المهني على التعبئة والتنظيم وتوحيد المواقف، وهي قدرة لا ينبغي أن تُستهلك في معركة مفتوحة بلا نهاية، وإنما يفترض تحويلها إلى قوة مؤسساتية وفكرية وتشريعية مستدامة.

ومن هنا تبرز إحدى أهم القضايا التي ستواجه جمعية هيئات المحامين: كيف يمكن تحويل التعبئة المهنية إلى سياسة مهنية؟
فالاحتجاج استطاع أن يجمع المحامين حول مطالب مشتركة، لكن المحافظة على هذه الوحدة بعد انتهاء الاحتجاج تحتاج إلى آليات أخرى: نقاش مؤسساتي منتظم، مشاركة أوسع في صناعة القرار المهني، وضوح في العلاقة بين القواعد والمؤسسات، وإنتاج مقترحات تشريعية قابلة للترافع السياسي والقانوني.

كما أن الرسالة تطرح، بصورة غير مباشرة، مسألة العلاقة بين الاختلاف المهني والشرعية المؤسساتية. فالجامعي يحذر من تحويل الاختلاف حول قرارات الجمعية إلى تخوين أو تجريح، معتبرا أن احترام المؤسسات لا يتناقض مع حرية التعبير والنقد.

وهذا المبدأ ضروري في هذه المرحلة بالذات. فالمحاماة التي دافعت عن استقلالها لا يمكن أن تبني هذا الاستقلال على إضعاف مؤسساتها الداخلية. وفي المقابل، فإن احترام المؤسسات لا ينبغي أن يتحول إلى مصادرة للنقاش أو إلى تعطيل لحق المحامين في مساءلة قراراتها وانتقادها.

إن التحدي الحقيقي يكمن في بناء توازن بين قوة المؤسسات وحرية القواعد، وبين الانضباط الديمقراطي وحق الاختلاف.

ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا النقاش عن الوظيفة الأصلية للمحاماة. فالمحامي، مهما كان موقفه من القانون، يظل فاعلا أساسيا في منظومة العدالة، ومرتبطا بحقوق المتقاضين ومصالح المرتفقين. ولذلك فإن استمرار التوقف عن الخدمات المهنية يفرض، كما تفرض العودة، حسابات تتجاوز الاعتبار الاحتجاجي المباشر إلى آثار القرار على العدالة وعلى حقوق المتقاضين وعلى صورة المهنة لدى المجتمع.

وهنا تكتسب دعوة الجامعي إلى العودة بعدا مهنيا يتجاوز الحساب السياسي. فالعودة يمكن أن تعني، في قراءة معينة، استعادة المهنة لوظيفتها اليومية، مع الاحتفاظ بحقها في مواصلة النضال من أجل مراجعة النصوص التي تعتبرها مجحفة أو مخالفة لمصالحها أو لمبادئ استقلالها.

لكن نجاح هذا الخيار سيظل رهينا بشرط أساسي: ألا تتحول العودة إلى إغلاق غير معلن للملف.
فالعودة بلا برنامج قد تفقدها معناها الاستراتيجي، كما أن استمرار التوقف بلا أفق قد يفقده فعاليته الاحتجاجية.

ولهذا فإن اجتماع مجلس جمعية هيئات المحامين لا ينبغي أن يختزل في المفاضلة بين خيارين متقابلين، وإنما ينبغي أن يتحول إلى نقاش حول استراتيجية المرحلة المقبلة. فإذا تقررت العودة، ينبغي أن تكون مصحوبة بخريطة طريق واضحة لما بعدها. وإذا تقرر استمرار التوقف، فمن الضروري أن يكون ذلك مؤسسا على أهداف محددة وأدوات جديدة وجدول زمني قابل للتقييم.

فالمرحلة الحالية تختلف جذريا عن المرحلة التي سبقتها.
لقد انتهى المسار التشريعي، ودخل القانون حيز التنفيذ، ولم تفصل المحكمة الدستورية في دستوريته موضوعيا، كما أن المهنة مقبلة على انتخابات ستعيد ترتيب مؤسساتها وقياداتها. لذلك فإن استنساخ الأدوات والشعارات نفسها التي استعملت في بداية النزاع قد لا يكون كافيا للتعامل مع شروط المرحلة الجديدة.

ومن هنا، فإن الرسالة التي وجهها عبد الرحيم الجامعي يمكن قراءتها باعتبارها دعوة إلى إعادة تعريف المعركة وليس إنهاءها.
وهي، بهذا المعنى، تضع أمام جمعية هيئات المحامين معادلة دقيقة: الحفاظ على وحدة الصف دون تجميد الاختلاف، حماية شرعية المؤسسات دون إلغاء النقد، استعادة الممارسة المهنية دون التخلي عن المطالب، والاستمرار في الدفاع عن استقلال المهنة دون استنزاف أدوات القوة التي أظهرها الحراك.

لقد أثبتت التجربة أن المحاماة المغربية تمتلك رأسمالا مهنيا وبشريا قادرا على التأثير. لكن قيمة هذا الرأسمال لن تتحدد بعدد أيام التوقف، وإنما بقدرة المؤسسات المهنية على تحويله إلى قوة اقتراح وترافع وتشريع وتأثير مؤسساتي.

وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه رسالة الجامعي يتجاوز قرار الخميس المقبل:
هل تستطيع المحاماة أن تنتقل من قوة الاحتجاج إلى قوة التأثير، ومن رد الفعل إلى صناعة البديل؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي للمرحلة المقبلة. فالقانون قد أصبح نافذا، لكن النزاع حول مستقبل المهنة لم ينته. وما سيتغير، في نهاية المطاف، ليس بالضرورة هدف المعركة، وإنما أدواتها، ومواقعها، وشروطها، والجهة القادرة على إدارتها بأكبر قدر من الحكمة والواقعية والفعالية.

*( محام بهيئة الرباط)

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code