استقالة حميد المهداوي تفجر خلافا داخل اتحاد الصحفيين المغاربة.
أش بريس/ الرباط
أثار البلاغ الصادر عن «اتحاد الصحفيين المغاربة»، والذي أعلن تضامنه مع الصحافي إدريس شحتان ودعا إلى احترام حرية الصحافة والاحتكام إلى القانون، جدلا داخل الأوساط الصحفية، بعدما أعلن حميد المهداوي، مدير موقع «بديل أنفو» وأحد الأعضاء المؤسسين للاتحاد، عدم تمثله في هذا الموقف، قبل أن يعلن استقالته النهائية من الاتحاد.
المهداوي اختار أن يوضح موقفه بشكل مباشر، مؤكدا أن البلاغ «لا يمثله في شيء»، وأنه يعبر، بحسب قوله، عن موقف من حرره دون الرجوع إلى المكتب.
وأوضح المهداوي أنه كان من بين الأعضاء المؤسسين لهذا الفضاء المهني، إلى جانب عدد من الصحافيات والصحافيين، مشيرا إلى أن بعضهم رحلوا إلى دار البقاء، فيما جمد آخرون عضويتهم أو توقفوا عن حضور الاجتماعات.
وكشف مدير «بديل أنفو» أنه سبق أن أبلغ رئيس الاتحاد شفويا، قبل نحو ستة أشهر، باستقالته، لكنه اختار التريث في تقديمها بشكل رسمي، مكتفيا خلال هذه الفترة بتجميد عضويته، في انتظار اتضاح عدد من الأمور.
غير أن صدور البلاغ الأخير دفعه، وفق ما جاء في تدوينته، إلى حسم موقفه وإعلان استقالته «القطعية والنهائية» من الاتحاد.
وتتجاوز أهمية هذا الموقف مجرد إعلان استقالة عضو من هيئة مهنية، بالنظر إلى أن المهداوي ربط قراره مباشرة بمضمون البلاغ وطبيعة القضية التي صدر بشأنها.
فالبلاغ جاء في سياق السجال القائم حول الصحافي إدريس شحتان، وما رافقه من مواجهة إعلامية وقانونية مع محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، وهي قضية أثارت خلال الأيام الأخيرة نقاشا واسعا حول حدود النقد الصحفي، وحق السياسي في الرد، وحدود المسؤولية المهنية والقانونية في ممارسة العمل الإعلامي.
وفي هذا السياق، أعلن المهداوي بوضوح أنه لا يتفق مع طرفي هذا النزاع، مؤكدا أن موقفه لا يعني تبنيا لموقف إدريس شحتان ولا اصطفافا إلى جانب محمد أوزين.
وهنا تحديدا يبرز جوهر الإشكال الذي أثارته استقالته: هل يمكن لهيئة مهنية أن تصدر موقفا تضامنيا باسمها في قضية خلافية دون أن يكون ذلك الموقف محل توافق داخل أجهزتها؟ وهل يصبح الموقف الصادر باسم الاتحاد ملزما لجميع أعضائه، أم أن من حق العضو أن يعلن صراحة أنه لا يمثله؟
إن الدفاع عن حرية الصحافة والاحتكام إلى القانون يظل مبدأ مهنيا لا خلاف حول مشروعيته، لكن الخلاف يمكن أن ينشأ حول طريقة تنزيل هذا المبدأ، وحول اختيار القضايا التي تستدعي التضامن، وكذلك حول طبيعة الصياغة التي تعتمدها الهيئات المهنية عندما تدخل في ملفات يكون أحد أطرافها صحافيا والطرف الآخر فاعلا سياسيا.
ومن هذه الزاوية، فإن موقف المهداوي يعيد النقاش إلى مسألة استقلالية الهيئات الصحفية عن الاصطفافات السياسية والشخصية، كما يطرح سؤالا حول مدى قدرة التنظيمات المهنية على الحفاظ على وحدتها الداخلية عندما يتعلق الأمر بقضايا مثيرة للجدل.
فالصحافي، بحكم طبيعة مهنته، قد يجد نفسه مطالبا بالدفاع عن حرية الصحافة، وفي الوقت نفسه حريصا على ألا يتحول هذا الدفاع إلى تبن لموقف سياسي أو شخصي في نزاع معين.
وهذا التوازن يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بشخصيات سياسية وازنة، مثل محمد أوزين، وبصحافيين معروفين مثل إدريس شحتان، لأن أي موقف صادر عن هيئة مهنية يمكن أن يقرأ بأكثر من طريقة، خصوصا في مناخ سياسي وإعلامي يعرف سجالات متزايدة حول حدود النقد وحرية التعبير والمسؤولية المهنية.
ولذلك، فإن استقالة حميد المهداوي تفتح نقاشا يتجاوز القضية الأصلية. فهي تضع أمام اتحاد الصحفيين المغاربة أسئلة مرتبطة بالديمقراطية الداخلية، وبآليات اتخاذ القرار، وبمدى إشراك الأعضاء في المواقف التي تصدر باسم التنظيم، وبالحدود الفاصلة بين التضامن المهني والاصطفاف في نزاع سياسي أو شخصي.
كما أن حديث المهداوي عن أعضاء جمدوا عضويتهم أو توقفوا عن حضور الاجتماعات يضيف بعدا آخر إلى النقاش، يتعلق بوضعية الاتحاد نفسه وبمدى تماسكه الداخلي، وهي مسألة قد تستدعي توضيحات من المسؤولين عنه، خصوصا بشأن الطريقة التي يتم بها اتخاذ المواقف وإصدار البلاغات باسم المؤسسة.
وفي المقابل، يبقى من حق الاتحاد أن يتبنى الموقف الذي يراه منسجما مع مبادئه، كما يبقى من حق أي عضو مخالفته والتعبير عن موقفه، ما دام الخلاف يتم داخل إطار مهني يحترم قواعد الحوار والاختلاف.
وبذلك، تحولت قضية التضامن مع إدريس شحتان من مجرد موقف مهني تجاه قضية إعلامية وقانونية إلى اختبار حقيقي لقدرة الهيئات الصحفية على إدارة الاختلاف من داخلها.
فبين بلاغ يدافع عن حرية الصحافة والاحتكام إلى القانون، وصحافي مؤسس يعلن أن الموقف لا يمثله ثم يختار مغادرة الاتحاد نهائيا، تتقدم إلى الواجهة قضية أعمق: من يتحدث باسم الهيئات المهنية، وكيف يصنع القرار داخلها، وأين تنتهي حرية التضامن وتبدأ مسؤولية التمثيل؟
وهو نقاش يبدو أن استقالة حميد المهداوي لم تغلقه، بل فتحته على نطاق أوسع.


































اترك تعليقاً