قانون الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان: جهوية القرار أم جهونة المركزية؟

✍️ذ. زهير أصدور

ليس كل ما يحمل صفة «جهوي» يكون بالضرورة تعبيرا عن الجهوية، كما أن نقل مؤسسة من مستوى ترابي إلى آخر لا يعني تلقائيا نقل القرار إليها.

من هذه الزاوية، يبدو القانون المتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان أكثر من مجرد نص يعيد تنظيم الوكالات الحضرية أو يوسع اختصاصاتها. إنه محاولة لإعادة تركيب منظومة التدبير الترابي في مجالي التعمير والإسكان، ويفترض أن يكون جزءا من ورش الجهوية المتقدمة وإعادة توزيع الأدوار بين الدولة والجهات والجماعات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه، في العمق، ليس: ماذا غير القانون؟
بل: هل غير فعلا طريقة صناعة القرار الترابي؟
وهنا تبدأ أهمية هذا الإصلاح، وهنا أيضا يبدأ النقاش الحقيقي حول فلسفته.

فالقانون ينتقل من نموذج الوكالات الحضرية ذات الامتداد المحدود إلى نموذج الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، بما يعنيه ذلك من إعادة تنظيم على مستوى الجهات وإحداث 12 وكالة جهوية، مع توسيع مجال تدخلها ليشمل التعمير والإسكان، والمجالين الحضري والقروي، والتخطيط الترابي، ومواكبة الاستثمار، ومحاربة السكن غير اللائق، وتتبع الديناميات المجالية.

وهذه في حد ذاتها خطوة مهمة.
فالواقع الترابي لم يعد يحتمل مقاربة للتعمير تنظر إلى المدن بمعزل عن محيطها القروي، ولا إلى السكن باعتباره مجرد ملف تقني منفصل عن التخطيط المجالي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أن توحيد الرؤية على المستوى الجهوي يمكن أن يساعد على تجاوز تجزئة القرار وتعدد المتدخلين وتضارب التصورات.

لكن قوة الإصلاح لا تقاس باتساع الاختصاصات وحده.
بل تقاس أيضا بمن يملك القرار داخل المؤسسة التي منحت هذه الاختصاصات.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في هذا القانون.

فالوكالة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، وتتحمل اختصاصات واسعة، لكنها في الوقت نفسه تظل خاضعة لوصاية الدولة ولمراقبتها المالية. ومجلس إدارتها يرأسه رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية المفوضة من قبله، في الوقت الذي يحضر فيه رئيس الجهة والوالي والعمال وممثلو الإدارة ورؤساء الجماعات ضمن تركيبة تعكس تعدد مستويات السلطة والقرار.

وهنا لا يتعلق الأمر بتفصيل تقني في هندسة مؤسسة عمومية. إنه سؤال سياسي ومؤسساتي بامتياز:
من يملك القرار الجهوي في التعمير؟
هل هي الجهة باعتبارها مؤسسة منتخبة يفترض أن تكون في صلب تنزيل الجهوية المتقدمة؟
أم الدولة باعتبارها صاحبة الاختصاصات المركزية في التوجيه والوصاية والمراقبة؟
أم الوكالة باعتبارها مؤسسة عمومية جديدة يفترض أن تشكل حلقة وصل بين الدولة والجهة والجماعات؟

المشكلة ليست في حضور الدولة داخل الوكالة، فهذا الحضور يمكن أن يكون ضروريا لضمان الانسجام الوطني وحماية المصالح العامة. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحضور المركزي هو الذي يحدد عمليا اتجاه القرار، بينما تتحول الجهة إلى شريك في مؤسسة لا تملك وحدها أدوات توجيهها.

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية:
هل نحن أمام جهوية القرار، أم أمام جهونة المركزية؟
فالفرق بين العبارتين ليس لغويا.
جهوية القرار تعني أن نقل الاختصاصات إلى المستوى الجهوي يصاحبه نقل حقيقي للقدرة على المبادرة والتوجيه والتحكيم وصناعة القرار.
أما جهونة المركزية فتعني أن الدولة تعيد تنظيم أدواتها على المستوى الجهوي، وتمنحها تسمية ومجالا جهويا، مع بقاء مركز القرار في مكانه.

وبين النموذجين مسافة مؤسساتية وسياسية كبيرة.
ومن الإنصاف القول إن القانون يتضمن عناصر إيجابية يمكن أن تساعد على بناء نموذج أكثر تكاملا.

فإدماج الإسكان ضمن اختصاص الوكالات، والانفتاح على المجال القروي، وإحداث تمثيليات إقليمية، ومنح الوكالة أدوارا في مواكبة الاستثمار والشراكات، وتعزيز تدخلها في وثائق التعمير ومراقبة التعمير والرخص، كلها مستجدات تعكس محاولة للانتقال من مؤسسة تركز على معالجة الملفات العمرانية إلى مؤسسة تساهم في صناعة الرؤية الترابية.

كما أن منح الرأي الملزم في بعض المساطر يمكن أن يعزز وضوح المسؤوليات ويحد من تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات.
لكن توسيع الاختصاصات يطرح، في المقابل، سؤالا أكبر حول المسؤولية.

كلما اتسعت صلاحيات الوكالة، يجب أن تتضح أكثر آليات محاسبتها.
وكلما أصبحت أكثر حضورا في صناعة القرار الترابي، يجب أن يكون واضحا من يوجهها، ومن يحاسبها، ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن اختياراتها.

فالجهوية ليست فقط توزيع المؤسسات على الجهات.
الجهوية هي، قبل كل شيء، توزيع للقرار والمسؤولية.
ولهذا فإن نجاح القانون لن يقاس بعدد الوكالات التي سيتم إحداثها، ولا بعدد الموظفين الذين سيتم نقلهم، ولا بحجم الممتلكات والأرشيف والعقود والالتزامات التي ستنتقل من الوكالات الحضرية إلى الوكالات الجهوية.
هذه كلها شروط انتقالية وتنظيمية ضرورية، لكنها لا تكفي.

الاختبار الحقيقي سيكون في شيء آخر:
هل ستتغير فعلا طريقة اتخاذ القرار الترابي وهذا تحد كبير.
لأن القانون لا يقوم فقط بإنشاء مؤسسات جديدة، بل يعيد تركيب منظومة قائمة. فالمستخدمون والممتلكات والوثائق والأرشيف والعقود والالتزامات ستنتقل إلى الوكالات الجهوية، بما يعني أن الإصلاح ليس مجرد بداية من الصفر، وإنما عملية إعادة بناء لمؤسسات راكمت خبرة وموارد وممارسات على مدى سنوات.

وهنا يجب الانتباه إلى أن تغيير الاسم والهندسة المؤسساتية لا يؤدي وحده إلى تغيير الثقافة الإدارية.
يمكن أن تصبح الوكالة «جهوية» في عنوانها، بينما تظل طريقة التفكير مركزية.

ويمكن أن تتسع اختصاصاتها، بينما تبقى القدرة الفعلية على اتخاذ القرار موزعة بين مستويات متعددة من السلطة.
ويمكن أن يحضر المنتخبون في مجلس إدارتها، بينما لا يكون لهم التأثير الحقيقي في رسم توجهاتها.
لهذا فإن الرهان الحقيقي ليس في جهونة المؤسسة، وإنما في جهوية القرار.

وإذا كان القانون يريد فعلا أن يكون رافعة للجهوية المتقدمة، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تتجه نحو بناء علاقة جديدة بين الوكالة والجهة والجماعات الترابية.

علاقة لا تقوم على مجرد التشاور، وإنما على وضوح الاختصاصات وتكاملها.
فالجهة يجب ألا تكون مجرد طرف حاضر في مؤسسة جهوية، بل يجب أن تكون فاعلا أساسيا في تحديد الأولويات الترابية.

والدولة يجب ألا تتحول وصايتها إلى إدارة يومية للقرار الجهوي، بل ينبغي أن تركز على التأطير الاستراتيجي وضمان الانسجام والعدالة المجالية.
والوكالة ينبغي أن تكون أداة تنفيذ وخبرة ومواكبة وتنسيق، لا بديلا عن المؤسسات المنتخبة ولا امتدادا إداريا للمركز.

ذلك أن الجهوية المتقدمة لا يمكن أن تنجح إذا ظل السؤال المركزي هو: ماذا تسمح به الإدارة المركزية للجهة؟
بل يجب أن يصبح السؤال: ما الذي تستطيع الجهة أن تقرره وتنجزه في إطار القانون والدستور؟
ومن هنا، فإن قانون الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان يستحق أن ينظر إليه باعتباره اختبارا عمليا لفلسفة الجهوية المتقدمة.

فإذا نجح في تقريب القرار من المجال، وتوحيد الرؤية الترابية، وتسريع المساطر، وتحسين مواكبة الاستثمار، وتحقيق عدالة مجالية أكبر، فسيكون قد تجاوز مجرد إعادة تنظيم الوكالات الحضرية إلى بناء نموذج جديد للحكامة الترابية.

أما إذا ظلت آليات القرار الأساسية مرتبطة بالمركز، وظلت الجهة مجرد طرف ضمن تركيبة إدارية واسعة، فقد نكون أمام إصلاح مؤسساتي مهم، لكن دون التحول السياسي الذي يفترض أن تعنيه الجهوية.

لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: هل أصبحت الوكالات جهوية؟
بل ينبغي أن نسأل، وبصراحة أكبر:
هل أصبحت الجهة صاحبة قرار في التعمير والإسكان؟
فالرهان في النهاية ليس أن نضع كلمة «جهوية» أمام اسم مؤسسة.

الرهان هو أن تصبح الجهة، فعلا، مجالا لصناعة القرار، لا مجرد مجال لتنفيذ قرار تم اتخاذه في مكان آخر.
وهنا تحديدا سيكون الامتحان الحقيقي لهذا القانون:
هل نحن أمام جهوية القرار، أم أن المركزية أعادت ترتيب نفسها داخل وكالة جهوية؟
ذلك هو السؤال الذي سيجيب عنه الواقع، لا النص وحده.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code