قانون العدول الجديد: هل أنهى النص أزمة المهنة أم فتح مرحلة جديدة من النقاش؟

(*)✍️ ذ. زهير أصدور

ليس كل قانون جديد مجرد مجموعة من المواد التي تضاف إلى الترسانة التشريعية. بعض القوانين تأتي في لحظة تكون فيها الحاجة إلى الإصلاح أكبر من مجرد تعديل نص، لأنها ترتبط بمهنة كاملة، بتاريخها، ومكانتها، وانتظارات ممارسيها، وعلاقتها بالمواطن وبمنظومة العدالة.

وهذا هو حال القانون رقم 051.26 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.26.58 بتاريخ 28 يوليوز 2026، والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 7533، والذي يشكل محطة تشريعية جديدة في مسار تنظيم هذه المهنة. BO_7533_Ar(1).pdf

غير أن قراءة هذا القانون لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياق الذي سبقه. فقد كان مشروع القانون رقم 16.22 موضوع نقاش واسع داخل المهنة، ثم تحولت الملاحظات والاعتراضات إلى احتجاجات وإضرابات ووقفات، في ظل شعور لدى جزء من العدول بأن الصيغة المقترحة لم تستجب بما يكفي لانتظاراتهم. وقد وصل الأمر إلى إضراب وطني خلال شهر فبراير، ثم إضراب امتد من 18 مارس إلى 5 أبريل، ووقفات احتجاجية، قبل أن يستمر التصعيد في أبريل.

ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد صدور القانون ليس فقط: ماذا جاء به النص الجديد؟ وإنما أيضا: هل استطاع هذا النص أن يفتح صفحة جديدة مع المهنة، وأن يحول مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة إصلاح وتقييم وحوار؟

والإنصاف يقتضي منذ البداية القول إن مهنة العدول كانت تحتاج فعلا إلى مراجعة إطارها القانوني. فالمهنة لم تعد تمارس في البيئة نفسها التي كانت قائمة عند صدور القانون السابق، كما أن التحولات التي عرفتها منظومة العدالة، والتطور التكنولوجي، وتغير حاجيات المتعاملين، كلها أصبحت تفرض إعادة النظر في عدد من قواعد الممارسة.

ومن هذه الزاوية، فإن القانون الجديد لا يقدم مجرد تعديلات جزئية، بل يعيد بناء المنظومة القانونية للمهنة من مدخلاتها إلى مؤسساتها، ومن شروط الولوج إليها إلى قواعد الممارسة، ومن المسؤولية والتأديب إلى الحكامة المهنية.

ولعل أول ما يستوقف في النص الجديد هو أن المادة الأولى اختارت أن تعرف العدل بعبارة دقيقة ذات دلالة: «العدل مساعد للقضاء، يمارس مهنة حرة».

هذه الصياغة ليست مجرد تعريف تقني. فهي تجمع بين عنصرين أساسيين في طبيعة المهنة: موقع العدل ضمن منظومة العدالة من جهة، وطابع المهنة الحرة من جهة أخرى.

وبذلك يضع المشرع منذ البداية أساسا يمكن أن يبنى عليه النقاش حول العلاقة بين استقلالية الممارسة المهنية وبين الرقابة التي تفرضها طبيعة المهام التي يقوم بها العدل.

كما أن القانون لم يكتف بتغيير شروط الولوج، وإنما أعاد بناء مسار التأهيل المهني. فالمترشح الناجح يصبح عدلا متمرنا، ويقضي فترة تمرين تجمع بين تكوين أساسي لمدة ستة أشهر بمؤسسة للتكوين، وتدريب لمدة ثمانية عشر شهرا بمكتب عدلي، قبل اجتياز امتحان نهاية التمرين. ويمكن، في حالة عدم النجاح، تمديد التدريب لمدة لا تتجاوز ستة أشهر.

وهذا يعني أن القانون الجديد يريد أن يجعل التأهيل المهني أكثر انتظاما، وأن ينقل التكوين من مرحلة مرتبطة أساسا بالممارسة إلى مسار يجمع بين التكوين النظري والتدريب العملي.
كما أقر التكوين المستمر، وجعل التخلف عن المشاركة فيه دون عذر مشروع مخالفة مهنية.

وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن مهنة التوثيق لا يمكن أن تظل مرتبطة فقط بما تعلمه العدل عند ولوجه إليها. فالقوانين تتغير، والاجتهاد القضائي يتطور، والتقنيات تتبدل، وبالتالي فإن التكوين المستمر يصبح جزءا من حماية المهنة نفسها وليس عبئا عليها.

ومن المستجدات التي تستحق التوقف عندها أيضا أن القانون فتح للعدل الذي يمارس مهامه فعليا إمكانية طلب الانتقال إلى دائرة نفوذ محكمة ابتدائية أخرى، على أن تحدد معايير الانتقال بنص تنظيمي.

وهذا المقتضى قد تكون له أهمية عملية بالنسبة إلى العدول، لأنه يمنح المهنة قدرا من المرونة في تدبير المسار المهني، مع إبقاء شروط وضوابط الانتقال مرتبطة بالنص التنظيمي.

كما أن القانون نظم لأول مرة، بشكل واضح، إمكانية ممارسة المهنة في إطار المشاركة بين العدول، إلى جانب المكتب الخاص بكل عدل.

وهذا التطور يمكن أن يفتح المجال أمام أشكال أكثر مرونة في تنظيم المكاتب وتقاسم الوسائل، مع الحفاظ على المسؤولية المهنية لكل عدل.
لكن ربما يكون التحول الأبرز الذي يفرض نفسه في القانون الجديد هو التحول الرقمي.

فالمشرع لم يعد ينظر إلى العمل العدلي باعتباره ممارسة ورقية بالأساس. فقد أوجب أن يكون المكتب مجهزا بالوسائل التقنية والمعلوماتية الحديثة، وأن تتم مباشرة المهام والإجراءات وفق الطريقة الإلكترونية المعتمدة بموجب النصوص التشريعية والتنظيمية. كما أقر إمكان مسك سجلات البيانات والسجلات المالية على حامل إلكتروني أو ورقي.

ثم انتقل القانون إلى الوثيقة نفسها، فأصبح التوقيع والتأشير عليها ممكنا بخط اليد أو بتوقيع إلكتروني مؤهل وفق الشروط القانونية والتنظيمية.
وهنا نحن أمام تحول يتجاوز مجرد استعمال الحاسوب. إنه تحول في فلسفة ممارسة المهنة.

فالوثيقة العدلية تدخل تدريجيا في منظومة رقمية، والسجل يصبح قابلا لأن يكون إلكترونيا، والإجراءات يمكن أن تتم إلكترونيا، والتوقيع نفسه يمكن أن يأخذ شكلا إلكترونيا مؤهلا.

وهذا يضع الحكومة أمام مسؤولية أساسية في مرحلة التنزيل، لأن نجاح هذا التحول لن يتوقف على وجود النص القانوني وحده، وإنما على جاهزية المنصات، وأمن المعلومات، وحماية المعطيات، وضمان استمرارية الخدمة، وتوفير التكوين الضروري للعدول ومساعديهم.

ومن هنا يمكن القول إن الرقمنة هي أحد أكبر رهانات القانون الجديد، لكنها أيضا أحد أكبر اختباراته.
فإذا نجحت، يمكن أن تختصر الوقت، وتقلل من الأخطاء، وتيسر حفظ الوثائق واسترجاعها، وتعزز الأمن التوثيقي.
أما إذا لم تواكبها البنية التقنية والتنظيمية الكافية، فقد تتحول من وسيلة للتحديث إلى مصدر لصعوبات جديدة.

والقانون لم يكتف بتنظيم الوثيقة، بل عزز أيضا مسؤولية العدل.
فهو يتحمل مسؤولية ما يضمنه في العقود والشهادات من تصريحات وبيانات مخالفة لما أدلى به الأطراف، كما يتحمل المسؤولية عن الضرر الناتج عن امتناعه عن القيام بواجبه دون سبب مشروع، ويصبح مسؤولا مدنيا عن الأضرار الناتجة عن أخطائه المهنية وأخطاء أجرائه ومتمرنيه، مع إلزامه بإبرام عقد للتأمين عن مسؤوليته المدنية.

وهذا الجانب يعكس توجها نحو ربط تحديث المهنة بتعزيز المسؤولية المهنية.
وفي المقابل، فإن القانون وضع قيودا واضحة على تعامل العدل مع الأموال، إذ يمنعه من تسلم الأموال أو الاحتفاظ بها مقابل فوائد، مع مراعاة المقتضيات التي أحال عليها القانون.

وهنا نصل إلى واحدة من النقاط التي كانت حاضرة بقوة في النقاش الذي سبق صدور القانون: آلية الإيداع.

فهذا المطلب كان من أبرز المطالب التي رفعها العدول خلال احتجاجاتهم، وارتبط في خطابهم بالحاجة إلى توفير آلية لحماية أموال المتعاملين وتعزيز الأمن التعاقدي. وقد كانت الاحتجاجات في مارس وأبريل صريحة في المطالبة بتمكين العدول من آليات العمل التي اعتبروها ضرورية، وفي مقدمتها آلية الإيداع.

والنص النهائي، كما صدر في الجريدة الرسمية، يظل هو المرجع في تحديد ما أقره المشرع وما لم يقره.
ومن ثم، فإن الأفضل ألا ننظر إلى هذا الملف باعتباره سببا جديدا للصدام، وإنما باعتباره واحدا من الملفات التي يمكن أن تستمر حولها المناقشة المهنية والمؤسساتية، خاصة إذا أظهرت الممارسة العملية الحاجة إلى آليات إضافية لحماية المعاملات والأموال.

وهنا تظهر مسؤولية الحكومة في الاستماع إلى الممارسة، لا باعتبار ذلك تراجعا عن القانون، وإنما باعتباره جزءا من التقييم الطبيعي لأي إصلاح تشريعي.

وفي مجال الاختصاص، أبقى القانون على قاعدة الارتباط بدائرة محكمة الاستئناف التابعة لها المحكمة الابتدائية التي يوجد بها مكتب العدل، مع استثناءات مهمة، من بينها بعض عقود الزواج والطلاق، والعقود والشهادات المتعلقة بعقار محفظ ولو كان خارج دائرة محكمة الاستئناف التي يوجد بها مكتب العدل.

وهذا يعني أن النقاش حول الاختصاص الترابي لم يغلق بالكامل، وإنما ظل محكوما بالبنية القضائية والترابية التي اعتمدها المشرع.
أما في طريقة التلقي، فقد حافظ القانون على الأصل المتمثل في تلقي العدلين للشهادة في آن واحد، لكنه سمح لهما، عندما يتعذر التلقي الثنائي في الوقت نفسه، بالتلقي بصورة منفردة وفي تاريخين مختلفين بإذن من القاضي المكلف بالتوثيق.

وهذا المقتضى يعكس محاولة للجمع بين المحافظة على خصوصية التوثيق العدلي وبين توفير قدر من المرونة العملية.
وفي المقابل، شدد القانون على واجب العدل في التحقق من هوية الأطراف وأهليتهم، وعلى واجبه في إسداء النصح لهم وبيان الأبعاد والآثار التي يمكن أن تترتب عن العقد أو الشهادة.

وهذا من أهم ما يمكن أن يلمسه المواطن في القانون الجديد، لأن العدل لا يقدم مجرد خدمة شكلية تتمثل في تحرير وثيقة، وإنما أصبح النص يبرز بصورة أوضح وظيفة النصح والتبصير.

أما شهادة اللفيف، فقد خصها القانون بتنظيم مفصل، وحدد شروط شهودها، ومن بينها ألا يقل عددهم عن اثني عشر، ونظم كيفية الاستماع إليهم، وإمكان تلقي الشهادة في تواريخ مختلفة داخل أجل أقصاه خمسة عشر يوما.

وفي الجانب المؤسساتي، أعاد القانون بناء الهيئة الوطنية للعدول على أساس الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، ونص على أنها تضم جميع العدول. كما أسند إليها مهاما واسعة، من بينها الإشراف على المجالس الجهوية، وتنسيق عملها، ومراقبة تقيد العدول بواجباتهم المهنية، والسهر على حماية حقوقهم، والمساهمة في تحديث ممارسة المهنة واستعمال التكنولوجيات الحديثة، وإبداء الرأي في مشاريع النصوص المتعلقة بالمهنة.

والأكثر دلالة أن القانون نص صراحة على أن الهيئة الوطنية تمثل المهنة تجاه الإدارة، وأنه لا يمكن لأي جهة أخرى تمثيل المهنة أو التحدث باسمها في الاختصاصات التي حددها القانون للهيئة.
وهذا يضع العلاقة بين الحكومة والمهنة أمام قاعدة مؤسساتية أوضح من السابق.

فإذا كانت مرحلة إعداد المشروع قد عرفت اختلافا واحتجاجا، فإن المرحلة الجديدة ينبغي أن تجعل الهيئة الوطنية شريكا مهنيا مؤسساتيا في تنزيل القانون وتقييمه، لا مجرد طرف يتدخل عند ظهور الخلاف.

ومن المستجدات التي تستحق الإشارة كذلك تنظيم انتخاب رئيس الهيئة الوطنية لمدة أربع سنوات غير قابلة للتجديد، ووضع شروط دقيقة للترشح، وآليات للطعن في الترشيحات والنتائج أمام القضاء الإداري.

كما نظم القانون انتخاب المجالس الجهوية، وأقر التمثيلية النسبية للنساء العدول داخل مكاتبها بما يتناسب مع عددهن داخل كل مجلس جهوي.

وهذه ليست تفاصيل انتخابية هامشية، لأن تنظيم المؤسسات المهنية جزء أساسي من استقلالية المهنة وقدرتها على التعبير عن نفسها وتدبير شؤونها.

لكن القانون في المقابل وسع مجالات الرقابة.
فالوكيل العام للملك يقوم بتفتيش مكاتب العدول مرة في السنة على الأقل، ويمكن للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل أن توفد لجنة للتفتيش وإجراء الأبحاث والتحريات، كما يمكن للسلطة الحكومية توقيف العدل مؤقتا في حالات محددة، من بينها وجود إخلالات مهنية أو خطر يهدد أصول العقود والشهادات أو المحفوظات.
وهذا الجانب كان أيضا من بين عناصر النقاش المهني السابق.

ومن حيث المبدأ، لا يمكن أن تكون هناك مهنة توثيقية بلا رقابة، لأن حماية حقوق المواطنين تتطلب وجود آليات فعالة للمراقبة والمساءلة.
لكن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين الرقابة وحماية المهنة.
فكثرة آليات المراقبة لا تكون في حد ذاتها مشكلة إذا كانت الاختصاصات واضحة، والمساطر مضبوطة، وضمانات الدفاع محترمة.

وهذا ما حاول القانون أن يعالجه في المجال التأديبي.
فالعقوبات أصبحت محددة في الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة لمدة لا تتجاوز ستة أشهر والعزل، مع إقرار لجنة تأديبية تضم وزير العدل أو ممثله رئيسا، وممثلين عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وممثلين عن رئاسة النيابة العامة، ورئيس الهيئة الوطنية للعدول أو من ينوب عنه، ورئيس مجلس جهوي للعدول.

كما منح العدل حق الاطلاع على ملفه والاستعانة بأحد زملائه أو بمحام، وجعل المقررات التأديبية قابلة للطعن أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة بسبب التجاوز في استعمال السلطة.
وهذا جانب مهم من زاوية ضمانات المهنة، لأن قوة النظام التأديبي لا تقاس فقط بقدرته على العقاب، وإنما أيضا بقدرته على حماية حقوق من تتم متابعته.

ومن المستجدات اللافتة أيضا أن القانون أفرد بابا لحماية المهنة، فنص على حماية العدل أثناء مزاولة مهامه، وعلى بطاقة مهنية وبذلة مهنية ولوحة للمكتب، ونظم حتى إمكان توفر العدل على موقع إلكتروني بشروط، مع منع الإشهار والدعاية التي تستهدف استمالة طالبي الإشهاد.

وهذه المقتضيات تكشف أن المشرع لم ينظر إلى مهنة العدول باعتبارها مجرد وظيفة تقنية، وإنما حاول أن يمنحها هوية مهنية واضحة، مع وضع حدود دقيقة لطريقة تقديم الخدمة والتعريف بالممارس.

وعندما نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية، أي هل أنهى القانون أزمة المهنة أم فتح مرحلة جديدة من النقاش، فإن الجواب يحتاج إلى شيء من التريث.

فالاحتجاجات التي سبقت صدور النص كانت حقيقية، والمطالب التي رفعتها المهنة كانت واضحة، وقد عبر العدول عن رفضهم لعدد من المقتضيات وطالبوا بإعادة النظر فيها. وقد وصل الخلاف إلى درجة إحالة القانون السابق على المحكمة الدستورية، بعد أن أحالت عليه فرق ومكونات من المعارضة، قبل أن تصدر المحكمة الدستورية قرارها رقم 263/26 بتاريخ 15 يونيو 2026، الذي قضى بعدم دستورية عدد من المواد، وهو ما أثر في المسار الذي انتهى إلى القانون الجديد.

لكن من الخطأ أيضا أن نقرأ القانون الجديد باعتباره مجرد استجابة أو عدم استجابة لمطالب الاحتجاج.
فالنص النهائي جاء بمنظومة أوسع من تلك الملفات: أعاد تعريف المهنة، ونظم الولوج والتكوين، وأقر التكوين المستمر، وفتح إمكان الانتقال والمشاركة، وأدخل الرقمنة في صميم الممارسة، ونظم المسؤولية والتأمين، وأعاد بناء المؤسسات المهنية، ووضع قواعد جديدة للانتخابات والتأديب والرقابة.

وهذا يعني أن القانون يستحق أن يقرأ باعتباره مشروعا لإعادة بناء المهنة، لا مجرد جواب عن احتجاج مهني.
وفي الوقت نفسه، فإن نجاح هذا المشروع لن يحسمه نشر القانون في الجريدة الرسمية، سيحسمه التطبيق.

وهنا تحديدا تقع مسؤولية الحكومة. فالحكومة ليست مطالبة فقط بتنزيل النص حرفيا، وإنما بأن توفر الشروط التي تجعل هذا التنزيل ممكنا وفعالا. فهناك مقتضيات كثيرة أحال القانون فيها على نصوص تنظيمية، وهناك منظومة رقمية تحتاج إلى إعداد، وهناك تكوين مستمر يحتاج إلى آليات، وهناك قواعد جديدة للمراقبة والتأديب تحتاج إلى ممارسة متوازنة، وهناك مؤسسات مهنية جديدة تحتاج إلى أن تمارس اختصاصاتها في إطار علاقة مؤسساتية مستقرة.

وهنا يمكن أن يكون الدرس الأهم من مرحلة إعداد القانون هو أن الحوار لا ينبغي أن يبدأ بعد ظهور الاحتجاج، بل ينبغي أن يصبح جزءا من عملية الإصلاح نفسها.

فالمهنة تعرف تفاصيل ممارستها اليومية أكثر من أي جهة أخرى، والحكومة تملك مسؤولية المبادرة والتشريع والتنفيذ، وبين الطرفين يمكن أن يتشكل إصلاح أكثر قدرة على الاستمرار إذا ظل الحوار مفتوحا.

وهذا لا يعني أن كل مطلب مهني يجب أن يتحول بالضرورة إلى مقتضى قانوني.
كما لا يعني أن كل ملاحظة من الحكومة ينبغي أن تتحول إلى قاعدة مهنية.
المطلوب هو أن تكون هناك مؤسسات قادرة على الاستماع، ومناقشة الإشكالات، وقياس أثر القانون، واقتراح التعديلات عندما تكشف الممارسة عن حاجة حقيقية إليها.

ومن هذه الزاوية، فإن صدور القانون قد يكون بالفعل بداية مرحلة جديدة، لا نهاية النقاش.
مرحلة لا ينبغي أن تكون عنوانها الاحتجاج، وإنما التنزيل والتقييم والتطوير.

فالعدول أمام قانون جديد يغير كثيرا من قواعد الممارسة، والحكومة أمام ورش تشريعي وتنفيذي يحتاج إلى المتابعة، والمواطن ينتظر أن يرى أثر ذلك كله في جودة الخدمة وفي الأمن التعاقدي وحماية حقوقه.

ولذلك، فإن السؤال بعد صدور القانون لم يعد: هل تم تمرير المشروع؟ لقد انتهت هذه المرحلة. ولم يعد السؤال أيضا: هل حصل العدول على كل مطالبهم؟ فهذا سؤال يعود إلى مرحلة التفاوض والاحتجاج.

السؤال الجديد هو: ماذا سيفعل الجميع بهذا القانون بعد صدوره؟
هل ستتحول الرقمنة إلى خدمة حقيقية؟
هل سيصبح التكوين أكثر نجاعة؟
هل ستؤدي الهيئة الوطنية دورها المؤسساتي الجديد بكفاءة؟
هل ستنجح المجالس الجهوية في تأطير المهنة والدفاع عن مصالح العدول؟
هل ستتم ممارسة الرقابة بما يحمي المواطن ويحترم في الوقت نفسه ضمانات المهني؟
وهل ستجد بعض الانتظارات المهنية التي بقيت خارج النص طريقها إلى الحوار والتقييم والتطوير؟

هذه الأسئلة لا يمكن للقانون أن يجيب عنها مسبقا. وهي التي ستحدد في النهاية قيمة الإصلاح.
لذلك لا أعتقد أن الإنصاف يقتضي اليوم القول إن القانون أنهى كل أسباب النقاش، كما لا يقتضي القول إنه أبقى الأزمة على حالها.
الأدق أن نقول إن القانون أغلق مرحلة تشريعية صعبة، وفتح مرحلة جديدة سيكون عنوانها الحقيقي هو الممارسة.

وفي هذه المرحلة، سيكون من مصلحة الحكومة أن تجعل الحوار مع العدول جزءا من تنزيل الإصلاح، كما سيكون من مصلحة الهيئات المهنية أن تحول انتظاراتها وملاحظاتها إلى مقترحات مؤسساتية قابلة للنقاش والتقييم.

فالمهنة لا تحتاج إلى انتصار على الحكومة، والحكومة لا تحتاج إلى انتصار على المهنة.
ما تحتاجه المهنة هو قانون يتيح لها أن تتطور، وما تحتاجه الحكومة هو إصلاح ينجح في الواقع، وما يحتاجه المواطن هو توثيق أكثر أمنا ووضوحا ونجاعة.
وهذه كلها أهداف يمكن أن تجتمع، حتى مع استمرار الاختلاف حول بعض التفاصيل.

لذلك فإن صدور قانون العدول الجديد ينبغي ألا يكون نهاية للحوار، بل فرصة لإطلاق حوار أكثر نضجا، يقوم هذه المرة على نص أصبح واقعا قانونيا، وعلى تجربة عملية ستكشف ما يحتاج إلى تطوير وما يحتاج إلى تصحيح وما يمكن أن يشكل بالفعل إضافة نوعية للمهنة.

القانون صدر، لكن الإصلاح لم ينته.
فالنص يضع الإطار، والحكومة مسؤولة عن حسن التنزيل، والهيئات المهنية مسؤولة عن مواكبة الممارسة، والواقع وحده سيكشف بعد ذلك ما إذا كان هذا القانون قد نجح في تحقيق الغاية التي انتظرها الجميع.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي: ليس اختبار القانون في الجريدة الرسمية، وإنما اختبار الإصلاح في حياة مهنة العدول وفي ثقة المواطن بها.

(*) محام بهيئة الرباط.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code