الصحافة والإعلام الرقمي في المغرب: أزمة المهنة وحدود المسؤولية في زمن الاستحقاقات الانتخابية

✍️ذ. زهير أصدور
لم تعد أزمة الصحافة والإعلام الرقمي في المغرب مرتبطة فقط بالسؤال التقليدي حول حرية الصحافة وحدودها، وإنما أصبحت مرتبطة، بصورة أعمق، بمسألة مهنية وأخلاقية ومؤسساتية تتعلق بكيفية إنتاج المعلومة، وبمن يملك حق تقديمها للرأي العام، وبالحدود الفاصلة بين الخبر والرأي، وبين النقد والتشهير، وبين الصحافة والمحتوى الرقمي الذي لا يخضع بالضرورة للقواعد المهنية نفسها.
لقد أدى التحول الرقمي إلى تغيير عميق في بنية المجال الإعلامي. فلم تعد الصحافة حكرا على المؤسسات التقليدية، وأصبح إنتاج المعلومة وتداولها متاحا لعدد واسع من الفاعلين. وهو تحول إيجابي من حيث توسيع دائرة التعبير والمشاركة، لكنه أفرز في المقابل إشكالات جديدة، خاصة عندما أصبحت سرعة الانتشار تنافس دقة المعلومة، وأصبح عدد المشاهدات والنقرات مؤشرا على النجاح أكثر من جودة المحتوى وقيمته الإخبارية والتثقيفية.
وهنا تكمن إحدى أهم مظاهر الأزمة.
فالمشكلة ليست في الإعلام الرقمي في حد ذاته، وليست في تعدد المنابر، ولا في اتساع دائرة التعبير. المشكلة في أن جزءا من هذا المجال أصبح يعمل بمنطق مختلف عن المنطق الذي يفترض أن يحكم العمل الصحافي: التحقق، الدقة، التوازن، احترام الحياة الخاصة، التمييز بين الخبر والرأي، تصحيح الأخطاء، واحترام قرينة البراءة.
لقد أصبحنا أمام ظاهرة يمكن تسميتها اقتصاد الإثارة الإعلامية، حيث تتحول بعض الأخبار إلى منتجات مصممة أساسا لجذب الانتباه، ويصبح العنوان أحيانا أكثر أهمية من مضمون الخبر، وتصبح الصورة أداة للتأثير قبل أن تكون وثيقة، ويصبح المحتوى الذي يثير الغضب أو السخرية أو الصراع أكثر قابلية للانتشار من التحقيق الهادئ والمعلومة الموثقة.
وهكذا ينتقل الإعلام، في بعض الحالات، من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن التفاعل. والفرق بين الأمرين ليس بسيطا.
فالصحافة المهنية تسأل أولا: هل هذه المعلومة صحيحة؟
أما منطق المحتوى القائم على الإثارة فيسأل أحيانا: هل ستجلب هذه المعلومة المشاهدات؟
وعندما يصبح السؤال الثاني أقوى من الأول، تبدأ المهنة في فقدان جزء من معناها.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن التحولات الاقتصادية التي عرفها الإعلام الرقمي. فالمؤسسة الإعلامية تحتاج إلى موارد مالية، والمحتوى يحتاج إلى جمهور، والجمهور أصبح في جزء كبير منه يقاس بالنقرات والمشاهدات والتفاعل. لكن تحويل مؤشرات الانتشار إلى معيار شبه وحيد للنجاح يخلق حافزا لإنتاج المحتوى الأكثر إثارة، وليس بالضرورة الأكثر فائدة.
ومن هنا ينبغي طرح سؤال أساسي: من المسؤول عن هذه الوضعية؟
ليس من المنهجي تحميل الحكومة وحدها مسؤولية ما يقع، كما أنه ليس من الإنصاف اتهام الصحافة المغربية ككل. فالمشهد الإعلامي المغربي يضم مؤسسات وصحافيين مهنيين يقدمون نماذج محترمة في التحقيق والتحليل والمتابعة، كما يضم في المقابل ممارسات تحتاج إلى تصحيح ومساءلة.
غير أن الحكومة تتحمل مسؤولية واضحة في ما يتعلق بالسياسة العمومية للقطاع، وبالإطار القانوني والتنظيمي، وبشروط الدعم العمومي، وبخلق البيئة التي تسمح لمؤسسات إعلامية مهنية وقابلة للحياة الاقتصادية بالاستمرار.
والدعم العمومي للصحافة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد آلية لإنقاذ المقاولات الإعلامية من أزماتها المالية، وإنما ينبغي أن يكون أيضا وسيلة لتحفيز الجودة والاستثمار في الصحافي والتكوين والتحقيق والإنتاج الإعلامي الجاد.
فلا يعقل أن تكون الدولة مطالبة بدعم الصحافة باعتبارها خدمة ذات منفعة عامة، بينما لا تكون الجودة المهنية والمسؤولية الأخلاقية ضمن العناصر الأساسية التي تؤخذ بعين الاعتبار في تقييم أداء المؤسسات المستفيدة.
وتتحمل الأحزاب السياسية بدورها مسؤولية أخلاقية وسياسية في هذا المجال، ليس باعتبارها مسؤولة عن الصحافة، وإنما باعتبارها فاعلا أساسيا في الحياة الديمقراطية. فالإعلام لا ينبغي أن يتحول إلى امتداد للصراع الحزبي، ولا إلى وسيلة لتصفية الحسابات السياسية، ولا إلى قناة غير معلنة للتأثير في الرأي العام خارج قواعد المنافسة السياسية المشروعة.
وهذه المسألة تصبح أكثر حساسية ونحن على أبواب الاستحقاقات الانتخابية.
فالانتخابات ليست فقط منافسة بين برامج ومرشحين، وإنما هي أيضا منافسة على ثقة المواطن وعلى اختياراته. ولذلك فإن أي استعمال غير مسؤول للإعلام أو المنصات الرقمية بهدف نشر معلومات مضللة، أو تشويه المنافسين، أو اجتزاء التصريحات، أو نشر محتويات خارج سياقها، أو إعادة تدوير أخبار غير موثقة، يمكن أن يتحول من مجرد ممارسة إعلامية سيئة إلى عامل مؤثر في نزاهة المنافسة الانتخابية نفسها.
وهنا يجب أن نكون واضحين: حرية التعبير لا تمنح أحدا حق صناعة الأخبار الكاذبة، وحرية الصحافة لا تعني إعفاء الصحافي من المسؤولية، والمنافسة السياسية لا تبرر تحويل المنابر الإعلامية إلى أدوات للتشهير بالخصوم.
فالانتخابات الحرة تحتاج إلى إعلام حر، لكنها تحتاج أيضا إلى إعلام مسؤول.
والناخب لا يستطيع ممارسة اختياره الديمقراطي بصورة سليمة إذا كان جزء من المعلومات التي يتلقاها يقوم على الإشاعة أو التضليل أو التشهير أو التلاعب بالمعلومات.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا السياق أن تتحول المنصات الرقمية إلى فضاء لإعادة إنتاج الصراعات السياسية والاجتماعية بصورة أكثر حدة. فالمعلومة الكاذبة تنتشر أحيانا أسرع من تصحيحها، والمحتوى المثير يحقق انتشارا أكبر من التوضيح، والاتهام غير الموثق يمكن أن يترك أثرا في الرأي العام حتى بعد نفيه.
وهذا ما يجعل الأزمة الإعلامية تتجاوز حدود المهنة لتصبح قضية تتعلق بالثقة العامة.
فحين يفقد المواطن ثقته في الإعلام، فإنه لا يفقد فقط ثقته في الصحافي أو الموقع، وإنما قد يفقد تدريجيا ثقته في المعلومة نفسها، وفي المؤسسات التي تنقلها، وفي النقاش العمومي الذي تبنى عليه القرارات السياسية.
ولهذا فإن حماية المجتمع من التضليل لا يمكن أن تتم من خلال التضييق على حرية الصحافة، وإنما من خلال رفع مستوى المهنية والمسؤولية.
المطلوب اليوم ليس مزيدا من القيود على الصحافة، وإنما مزيد من الوضوح في قواعد المهنة، ومزيد من الفعالية في تطبيقها.
وهنا تبرز أهمية التنظيم الذاتي للمهنة.
فوجود مجلس وطني للصحافة ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لضمان استقلال المهنة وحمايتها من التدخلات الخارجية، وفي الوقت نفسه لضمان احترام قواعدها الأخلاقية والمهنية. والمجلس القوي ليس هو المجلس الذي يحمي الصحافي من المساءلة، وإنما الذي يحمي الصحافي المهني من الاعتداء على استقلاله، ويحمي المجتمع في الوقت نفسه من الممارسات التي تسيء إلى المهنة.
كما أن إصلاح المجال الإعلامي ينبغي أن يبدأ من المدرسة المهنية نفسها.
فالصحافي اليوم يحتاج إلى تكوين مستمر في التحقق من المعلومات، وفي التعامل مع المصادر الرقمية، وفي التحقق من الصور والفيديوهات، وفي حماية المعطيات الشخصية، وفي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي التمييز بين المحتوى الصحافي والمحتوى الدعائي، وفي فهم الحدود القانونية والأخلاقية للنشر.
ولم يعد مقبولا أن تكون الشهادة أو البطاقة المهنية نهاية التكوين. فالمهنة تتغير بسرعة، ومن لا يطور أدواته المهنية يصبح جزءا من المشكلة حتى ولو كان يحمل الصفة المهنية.
كما أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بإعادة بناء غرف التحرير على أساس قواعد واضحة للمسؤولية. يجب أن يعرف الصحافي من يراجع المادة، وكيف يتم التحقق من المعلومات، ومتى يتم نشر التصحيح، وكيف يتم التعامل مع الشكايات، وكيف يتم الفصل بين المادة الإخبارية والإشهار والمصالح التجارية.
فالمؤسسة الإعلامية الجادة لا تقاس فقط بعدد المتابعين، وإنما أيضا بقدرتها على إنتاج محتوى يمكن الوثوق به.
ومن الضروري كذلك تعزيز آليات التصحيح والرد بصورة سريعة وفعالة. فالخطأ الصحافي قد يقع، لكن المشكلة ليست في الخطأ وحده، وإنما في رفض الاعتراف به أو تصحيحه. الاعتذار والتصحيح ليسا ضعفا مهنيا، بل هما دليل على قوة المؤسسة واحترامها للجمهور.
أما بالنسبة إلى التشهير والإساءة واستعمال المنابر لأغراض شخصية، فينبغي التعامل معها من خلال القواعد القانونية القائمة، مع ضمان التناسب وعدم تحويل القانون إلى وسيلة لإسكات النقد السياسي المشروع.
فالفرق كبير بين نقد مسؤول عمومي والتشهير بحياته الخاصة، كما أن الفرق كبير بين مساءلة حزب أو حكومة واستهداف الأشخاص خارج دائرة المصلحة العامة. فالنقد السياسي، مهما كان حادا، يظل جزءا من الحياة الديمقراطية ما دام منصبا على المواقف والقرارات والمسؤوليات العامة، بينما يفقد مشروعيته عندما يتحول إلى استهداف للحياة الخاصة أو إلى مساس بالكرامة الشخصية دون صلة حقيقية بالمصلحة العامة، أو عندما يتم إخراج وقائع شخصية من سياقها وتحويلها إلى مادة للإثارة والتشهير والتأثير في الرأي العام. فليس كل ما يمكن الوصول إليه أو الحصول عليه من معلومات عن شخص عمومي يصبح بالضرورة صالحا للنشر، كما أن امتلاك المنبر الإعلامي لمعلومة لا يمنحه، في حد ذاته، مبررا أخلاقيا أو مهنيا لنشرها. والعبرة هنا ليست بمدى قدرة المعلومة على إثارة الفضول، وإنما بمدى ارتباطها بالمصلحة العامة، وبقيمتها في تمكين المجتمع من فهم أداء المسؤول أو مساءلته عن ممارسة تدخل في نطاق مسؤوليته العامة. أما تحويل الحياة الخاصة والعلاقات الشخصية والمعطيات العائلية إلى أدوات للضغط أو التشهير أو تصفية الحسابات، فإنه لا يخدم حق الجمهور في المعرفة، وإنما يحول الإعلام من وسيلة للمساءلة إلى وسيلة للإيذاء.
وفي المقابل، فإن الفاعل السياسي الذي يتعرض للتشهير أو للمعلومات الزائفة أو للمحتويات المضللة يملك كامل الحق في الدفاع عن نفسه، وفي اللجوء إلى حق الرد والوسائل القانونية والمؤسساتية المتاحة، بل ومن واجبه أحيانا أن يوضح للرأي العام حقيقة الوقائع.
المطلوب إذن ليس تقييد المواجهة بين الإعلام والسياسة، وإنما ضبطها بقواعد واضحة: أن يمارس الإعلام حقه في النقد والمساءلة، وأن يمارس الفاعل السياسي حقه في الرد والدفاع، وأن تبقى في الحالتين الحقيقة والمصلحة العامة والالتزام بالقانون هي المرجع.
فحرية الصحافة لا تعني تحصين الصحافي من النقد والمساءلة، كما أن الموقع السياسي أو المسؤولية العمومية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة من النقد. وبين هذين الحدين تتحدد المسؤولية التي تجعل من الخلاف الإعلامي والسياسي جزءا من الديمقراطية، لا سببا في تقويضها.
ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى شراكة بين الدولة والمؤسسات الإعلامية والمجلس الوطني للصحافة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والجامعات ومؤسسات التكوين.
نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية لمواجهة التضليل الإعلامي والرقمي، خصوصا خلال الفترات الانتخابية، تقوم على التوعية والتحقق والتكوين والشفافية، وليس على الرقابة المسبقة.
ونحتاج أيضا إلى تطوير أدوات لرصد الأخبار الزائفة خلال الحملات الانتخابية، مع احترام الاختصاصات القانونية والقضائية، وإلى تشجيع المؤسسات الإعلامية على إنشاء وحدات للتحقق من الأخبار، وإلى تعزيز التربية الإعلامية والرقمية لدى المواطنين، لأن مواجهة التضليل لا يمكن أن تكون مهمة الصحافي وحده.
فالمواطن نفسه أصبح جزءا من دورة إنتاج المعلومة عندما يعيد نشر المحتوى.
ولهذا فإن المسؤولية تبدأ من المنتج، لكنها لا تنتهي عند المتلقي.
لقد دخل المغرب مرحلة جديدة في تنظيم مهنة الصحافة، ويعاد اليوم بناء مؤسسات التنظيم الذاتي للمهنة. وهذه فرصة ينبغي ألا تضيع في الصراعات المهنية والمؤسساتية، بل يجب أن تتحول إلى لحظة لإعادة تعريف معنى الصحافة المهنية في العصر الرقمي.
نحن لا نحتاج إلى صحافة أكثر عدوانية، وإنما إلى صحافة أكثر مهنية.
ولا نحتاج إلى صحافة تخاف من السلطة، وإنما إلى صحافة تستطيع مساءلة السلطة.
ولا نحتاج إلى صحافة تخاف من الأحزاب، وإنما إلى صحافة تستطيع مساءلة الأحزاب جميعا.
ولا نحتاج إلى صحافة تبحث عن الفضائح، وإنما إلى صحافة تبحث عن الحقيقة.
فالسلطة الرابعة لا تستمد قوتها من قدرتها على إلحاق الضرر بالناس، وإنما من قدرتها على إنتاج المعرفة ومراقبة السلطة وخدمة المصلحة العامة.
وهنا تكمن المسألة الأساسية التي ينبغي أن نواجهها اليوم: هل نريد إعلاما يساهم في بناء النقاش العمومي، أم إعلاما يعيش على الصراع الذي ينتجه؟
إننا، ونحن مقبلون على استحقاقات انتخابية، أمام مسؤولية مضاعفة. فالكلمة المنشورة اليوم يمكن أن تؤثر في اختيار انتخابي غدا، والمعلومة الكاذبة يمكن أن تشوه صورة مرشح، والعنوان المضلل يمكن أن يوجه النقاش العام، والمحتوى المقتطع من سياقه يمكن أن يتحول إلى أداة انتخابية.
لذلك فإن حماية نزاهة الانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع فقط.
إنها تبدأ أيضا من نزاهة المعلومة التي تسبق الاقتراع.
وإذا كان من حق الصحافة أن تنتقد الجميع، فإن من حق المجتمع أيضا أن يطالب الصحافة بالمسؤولية.
فالصحافة ليست مقصلة، وليست منصة للتشهير، وليست أداة لتصفية الحسابات.
إنها قبل كل شيء مسؤولية عامة.
وإذا أردنا أن تستعيد الصحافة المغربية ثقة المجتمع، فإن الطريق لا يمر عبر إسكاتها، وإنما عبر تحريرها من كل ما يهدد استقلالها ومهنيتها: من ضغط المال، ومن توظيف السياسة، ومن اقتصاد الإثارة، ومن ضعف التكوين، ومن غياب المساءلة المهنية.
الحرية هي شرط وجود الصحافة، لكن الأخلاق هي شرط احترامها، والمهنية هي شرط استمرارها، والمسؤولية هي شرط ثقة المجتمع فيها.
وفي زمن الانتخابات، تصبح هذه المعادلة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
لأن معركة الديمقراطية لا تجري فقط داخل صناديق الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، داخل الفضاء الذي تتشكل فيه قناعات المواطن، وتبنى فيه صور المرشحين، وتنتشر فيه المعلومات.
وهنا تحديدا، لا تحتاج الديمقراطية إلى مزيد من الضجيج.
إنها تحتاج إلى الحقيقة.
Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code