الأعرج : مقاطعة جمعيات حقوقية للمنتدى الدولي تعبرعن خلفيات ذاتية
أش بريس/ أجرت الحوارـ صليحة بجراف
قال الدكتور محمد الأعرج (أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بفاس، وبرلماني)، إن مقاطعة بعض الجمعيات الحقوقية المغربية، للمنتدى الدولي لحقوق الإنسان، الذي احتضنت أشغاله، مراكش الأسبوع الماضي، انطلقت من دوافع ذاتية وشخصية وليست من دوافع موضوعية تساير المكتسبات التي عرفها المغرب سواء على مستوى دسترة الحقوق والحريات أوعلى مستوى خلق آليات قانونية لتطبيق هذه الحقوق على مستوى الحماية القضائية.
أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بفاس، أضاف أن مثل هذه المواقف تعبر عن توجهات وخلفيات لا علاقة لها بالمساهمة في تعزيز وتطور المنظومة الحقوقية بالمغرب مشيرا إلى أن الحضور الوازن للعديد من الجمعيات الحقوقية الوطنية والدولية وللعدد الهائل من الورشات التي ناقشت مواضيع مهمة ، دليل على أن أسلوب المقاطعة لا يمثل إلا توجهات نادرة غير واقعية.
الأعرج، تحدث أيضا عن مشاركة البرلمانيين في المنتدى وكذا تطور المنظومة الحقوقية بالمغرب، فضلا عن أمور أخرى نتعرف عليها في الحوار التالي
س/ كيف تقيم تطور المنظومة الحقوقية بالمغرب؟
ج/ لابد من الـتأكيد أن المنظومة الحقوقية بالمغرب تتطور بتطور هذه المنظومة على الصعيد العالمي وفي ارتباط بالتطور الذي عرفته منظومة حقوق الانسان على المستوى الدولي. لقد برزت بعض الحقوق الأخرى التي تحتاج هي كذلك الى تأمين الحماية لها، وهي حقوق ذات طابع انساني عام كالحق في التنمية والحق في البيئة، والحق الإغاثة عند الكوارث الكبرى . وهي حقوق يواكبها المغرب بدوره.
فبخصوص الحق في التنمية يندرج ضمن الجيل الثالث من الحقوق وبرز مؤخرا باعتباره حقا من حقوق الإنسان ولم يكتسب هذا الحق اهميته إلا في ظل “إعلان الحق في التنمية الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة سنة 1986
وبخصوص الحق في بيئة نظيفة، فإن إعلان المؤتمر الخاص بالبيئة البشرية سنة 1972 ، اعتمد توصية أقر فيها بأن البيئة هي شرط جوهري من أجل تأمين حياة هادئة ومن أجل ممارسة الحقوق المهمة الأخرى بما فيها حق الانسان في الحياة.
وبموازاة هذا الاهتمام الدولي الجماعي بموضوع البيئة، أخذت الكثير من الدول تهتم بشكل منفرد بذات الموضوع بما فيها المغرب وقد نص دستور 2011 على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين والمواطنات على قدم المساواة من الحق في الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة(الفصل 31 ).
س/ كيف هو وضع حقوق الانسان بالمغرب منذ إقرار دستور 2011 ؟
ج/حدد الدستور المغربي لسنة 2011 قائمة للحقوق والحريات ضمن باب خاص من الناحية الشكلية، يكون أكثر فائدة، لأنه يسمح بتيسير عملية إطلاع عامة المواطنين على الحقوق المعترف بها دستوريا، ومن ناحية المضمون الوارد في هذا الباب، فإن وعاء هذه الحقوق والحريات قد اتسع مقارنة بالدساتير السابقة عليه، فقد تضمن قائمة أطول من الحقوق والحريات جعلته يساير بشكل كبير الدساتير الحديثة، التي لم تعد تكتفي بالتركيز على العموميات وترك أمر التفصيل فيها للبرلمان. كي لا يتم استغلال ذلك من اجل إهدار حقوق المواطنين وحرياتهم.
يشكل التأكيد على المرجعية الكونية لحقوق الانسان الوجه الآخر للاعتراف الدستوري بالحقوق والحريات. ويقتضي التأكيد على المرجعية الكونية لحقوق الانسان الإقرار بسمو المواثيق الدولية على القوانين الوطنية، بما في ذلك القواعد الدستورية، هذا الأمر هو الذي حاول المشرع الدستوري المغربي مسايرته في دستور 2011 عندما نص في الديباجة على تعهد المملكة المغربية بالالتزام ب “ما تقتضيه مواثيق المنظمات الدولية من مبادئ وحقوق وواجبات وتشبثها بحقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا” .
أيضا عندما نص على جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية والعمل على ملائمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة.
فدسترة هذه الحقوق جعلت المغرب يحقق العديد من المؤشرات الإيجابية على الواقع العملي.
س/ هل يمكن أن نتحدث عن ما تحقق من حريات بعد دستور2011 ؟
ح/ المغرب انخرط في الاليات الأساسية لحقوق الانسان، وأقدم على الرفع التدريجي للتحفظات التي قد قدمها خلال التصديق على هذه الآليات.
والأسبوع الماضي ـ سعيا الى توطيد اختياره لفائدة حماية حقوق الانسان والنهوض بهاـ تقدم بأدوات التصديق على البروتوكول الاختياري للاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو للإنسانية أو المهنية. وذلك بهدف إحداث آلية وطنية للوقاية، وسيصبح المغرب بهذا ضمن 30 بلدا التي تتوفر على مثل هذه الآلية.
المغرب تبنى كل من الرقابة السياسية والرقابة القضائية للحقوق والحريات بمعنى أننا أسسنا مجموعة من الآليات للحماية القضائية لحقوق الانسان وحرياته، وهذا التوجه تم تعزيزه في دستور 2011 كذلك. وعلى وجه التحديد عندما تبنى الدستور ما يعرف بـ “الدفع بعدم دستورية القوانين” أي إعطاء الحق لأطراف الدعوى بأن يدفعوا أثناء النظر في قضية ما بأن القانون المراد تطبيقه في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور (الفصل 133 ) ، بحيث يتم إلغاء كل مقتضى من القانون صرحت المحكمة الدستورية بعدم دستوريتهن ابتداء من التاريخ الذي حددته المحكمة المذكورة.
إن كل هذه الحقوق هي مكتسبات تعزز تطور المنظومة الحقوقية ببلادنا. علما أن القضاء الإداري من خلال العديد من أحكامه كرسها خصوصا في المجال المتعلق بالجمعيات والتجمعات ، كان آخرها الحكم الصادر ضد وزارة الداخلية بخصوص قرارها ضد الجمعية المغربية لحقوق الانسان.
س/ المغرب احتضن الأسبوع الماضي منتدى دولي لحقوق الإنسان، هل من دلالات لاحتضان هذه التظاهرة الحقوقية؟
المنتدى الدولي لحقوق الانسان، يكتسي أهمية خاصة، خاصة وأنه يأتي في سياق التحولات والتحديات التي يشهدها العالم من جهة، ومن جهة أخرى برزت مواضيع جديدة من قبيل التأهيل القانوني للفقراء، المقاولة وحقوق الانسان، حماية حقوق الاشخاص المسنين.
فالمغرب باحتضانه لهذه التظاهرة العالمية، يساهم في تحقيق الطموح المشترك للقارة الافريقية ولكافة البلدان في طريق النمو في جعلها فاعلة أساسية في إعداد ضوابط ومبادئ وأحكام بشأن حقوق الانسان.
والمغرب وهو يسعى من خلال تنظيم الدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الانسان الى المساهمة في انبثاق فضاء عالمي للحوار بين الحكومات والمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان والمجتمع المدني وإجراء كذلك تحديد القضايا الجديدة وطرق التفكير الجديدة حولها.
س/ ما هي قراءتك للرسالة الملكية؟
الرسالة الملكية، تحمل العديد من الدلالات الحقوقية خصوصا في تعزيز مكانة كونية الحقوق والحريات .
إذا كانت افريقيا لم تساهم في وضع القانون الدولي لحقوق الانسان، فإنها مطالبة بإغنائه بثقافتها وتاريخها وعبقريتها. فإفريقيا كما جاء في الخطاب الملكي لا يمكنها أن تظل مجرد مستهلك لقوانين دولية تمت صياغتها في غياب تام للقارة، كما أنها لا ينبغي أن تظل دائما موضوع تقارير دولية وتقييمات خارجية.
إن الرسالة الملكية حملت العديد من الدلالات العميقة للإجابة عن الاشكاليات المرتبطة بكونية حقوق الانسان خصوصا وأنها منظومة عالمية وليست احتكارا لجهة معينة أو قارة معينة على حساب كونيتها.
كما أن الرسالة الملكية اجابت عن العديد من الاشكاليات المرتبطة بالمنظومة الحقوقية المغربية من خلال إبراز الرهانات الأساسية .
الرسالة الملكية، أيضا تشكل لنا خريطة الطريق في تطوير المنظومة الحقوقية خصوصا على مستوى الرهانات :
الرهان الأول : يتعلق بمسألتي المساواة والمناصفة، لأن الحقوق الأساسية للنساء والفتيات في شموليتها، غير قابلة للتصرف وهي جزء لا يتجزأ من المنظومة الكونية لحقوق الانسان.
الرهان الثاني: فهو مرتبط بأهداف التنمية لما بعد 2015، والهدف منه تقليص الفقر الى النصف، وتوفير التعليم الابتدائي للجميع، وكذا النهوض بالمساواة بين الجنسين.
الرهان الثالث: يتعلق بحركات الهجرة الدولية وطالبي اللجوء.
والمغرب باختياره لهذا الرهان الثالث يكون قد اختار تفعيل سياسة جديدة للهجرة، ترتكز على مقاربة انسانية وقد انطلقت عملية استثنائية لتسوية وضعية المهاجرين.
إن هذه الرهانات الواردة في الرسالة الملكية تشكل بالفعل الأولويات الأساسية لدى الفاعل الحقوقي على الصعيد الوطني وكذا العالمي.
س/ شارك البرلمان ضمن ورشات هذا المنتدى، ما الغاية من هذه المشاركة؟
انطلاقا من الواقع الفعلي للمنظومة المؤسسية للعديد من الدول بما فيها المغرب، ظلت مساهمة البرلمان في عمل آليات الأمم المتحدة لحقوق الانسان ولا سيما مجلس حقوق الانسان وآلية الاستعراض الدوري الشامل التابعة له، تكاد تكون ضئيلة وهامشية ، وبالتالي كان المطلب الأساسي لدينا هو التأكيد على أهمية تعزيز الدور النظامي والمؤسسي للبرلمانات وإشراكها في مختلف محطات الاستعراض الدوري الشامل وتأمين المساهمة الفعلية والمستمرة للبرلمانات في عمل المنظومة الأممية. خصوصا المساهمة في مسار إعداد التقارير وفي الحوار التفاعلي مع آليات الأمم المتحدة لحقوق الانسان. كما أن المنتدى الموضوعاتي عمق النقاش حول الخيارات الأنسب لتعزيز مساهمة البرلمانات في عمل الآليات الأممية لحقوق الانسان من خلال تبادل الممارسات في العديد من المجالات.
س/ العديد من الجمعيات قاطعت المنتدى بدعوى أن المغرب لم يصل بعد الى توطيد دولة الحق والقانون ن وأن هناك تراجعا في الحقوق؟
ج/اعتقد أن هذه المقاطعة انطلقت من دوافع ذاتية وشخصية وليست من دوافع موضوعية تساير المكتسبات التي عرفها المغرب سواء على مستوى دسترة هذه الحقوق والحريات وكذا على مستوى خلق آليات قانونية لتطبيق هذه الحقوق على مستوى الحماية القضائية.
اعتقد أنه حان الوقت لإعادة النظر وإعطاء قيمة لمثل هذه المواقف والتي تعبر عن توجهات وخلفيات لا علاقة لها بالمساهمة في تعزيز وتطور المنظومة الحقوقية بالمغرب .
واعتقد كذلك أن الحضور الوازن للعديد من الجمعيات الحقوقية الوطنية والدولية والعدد الهائل من الورشات التي ناقشت مواضيع مهمة، لدليل أن مثل هذه المواقف لا تمثل إلا توجهات نادرة وتنطلق من منطلقات غير موضوعية وغير واقعية ، يجب استبعادها والسهر من جهة أخرى على تعزيز مكتسبات المغرب الحقوقية .































