من يختار رئيس الحكومة… الناخب المغربي أم مجلة جون أفريك؟

*✍️ذ. زهير أصدور

ليست هذه هي المرة الأولى التي تخصص فيها مجلة جون أفريك ملفا للشأن السياسي المغربي، لكنها ربما من المرات القليلة التي لا تكتفي فيها بتحليل المشهد السياسي، بل تبدو وكأنها تعيد ترتيبه، مانحة بعض الفاعلين صفة “المرشحين الطبيعيين” لقيادة الحكومة المقبلة، قبل أن يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع.

ففي ملفها المعنون بـ”من يريد مكان رئيس الحكومة؟”، لم تقتصر المجلة على استعراض أسماء شخصيات سياسية أو حكومية، بل وضعتها في سلم للترتيب والتفضيل، موزعة إياها بين “الأوفر حظا”، و”المفضلين”، و”المفاجآت”، و”الخارجين عن التوقعات”. وهي مقاربة تتجاوز، في تقديري، حدود الاستشراف الصحفي إلى محاولة رسم صورة مسبقة للمشهد السياسي المقبل.

ولا يتعلق الأمر هنا بالاعتراض على حق أي وسيلة إعلامية في التحليل أو التوقع، فذلك جزء من رسالتها، وإنما بالتساؤل حول المنهج الذي اعتمدته، والمعايير التي استندت إليها، والرسائل التي قد تنتج عن هذا النوع من التصنيفات، خاصة عندما يصدر في سياق انتخابي بالغ الحساسية.

استهلت المجلة ملفها بالإشارة إلى الفصلين 42 و47 من الدستور المغربي. فبعد أن أقرت بأن الفصل 47 ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب، سارعت إلى استحضار الفصل 42، المتعلق بضمان جلالة الملك لدوام الدولة واستمرارها، بما يوحي بوجود هامش قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أخرى.

ولا خلاف في أن الفصلين جزء من البناء الدستوري نفسه، لكن قراءة النص الدستوري لا تقوم على تجميع الفصول بقدر ما تقوم على فهم فلسفته العامة. فالفصل 47 جاء ليكرس الاختيار الديمقراطي وربط رئاسة الحكومة بنتائج الاقتراع، بينما يحدد الفصل 42 الوظائف الدستورية لجلالة الملك باعتباره الضامن لدوام الدولة واستمرار مؤسساتها. ومن ثم، فإن استحضاره بهذه الكيفية في مقدمة مقال يتناول أسماء مرشحة لرئاسة الحكومة قد يترك لدى القارئ انطباعا بأن نتائج الانتخابات ليست المحدد الأساسي لهذا المنصب، وهو انطباع لا ينسجم مع روح الوثيقة الدستورية ولا مع الممارسة التي استقرت منذ دستور 2011.

لا يمكن أيضا إغفال توقيت نشر هذا الملف.
فالمقال صدر قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التشريعية، وهي مرحلة يكون فيها الرأي العام في طور تشكيل قناعاته، وتكون وسائل الإعلام أكثر تأثيرا في صناعة الصور الذهنية حول الفاعلين السياسيين.

ولا يعني ذلك الجزم بأن المجلة قصدت التأثير في الناخبين، فذلك أمر لا يمكن إثباته، لكن من المشروع التساؤل عن الأثر الذي قد تتركه مثل هذه التصنيفات عندما تصدر في لحظة انتخابية دقيقة، إذ قد تسهم، بقصد أو بغير قصد، في ترسيخ تصور مفاده أن المنافسة الحقيقية محصورة في أسماء بعينها، وأن غيرها يوجد خارج دائرة الاحتمال.
وهنا تحديدا يصبح التمييز ضروريا بين حق الصحافة في التحليل، وبين الأثر الذي قد تتركه بعض التحليلات في تشكيل الرأي العام.

الإشكال الحقيقي في المقال لا يكمن في الأسماء التي اختارها، وإنما في الطريقة التي قدم بها هذه الأسماء.
فالمجلة لم تناقش البرامج السياسية، ولم تقارن بين مشاريع الأحزاب، ولم تحلل موازين القوى الانتخابية، بل جعلت الأشخاص محور القراءة، وكأن السياسة أصبحت رهينة للأفراد لا للمؤسسات.

ولم تكتف بذلك، بل منحت كل شخصية لقبا يحمل شحنة رمزية قوية: “رجل الدولة”، “الجرافة”، “السياسي 2.0”، “المغرب الذي يربح”، “المرشح المثالي”… وهي أوصاف لا تؤدي وظيفة لغوية فحسب، بل تبني في ذهن القارئ صورة مسبقة عن كل شخصية قبل مناقشة تجربتها أو حصيلتها.

فاللغة هنا لا تصف الواقع فقط، بل تساهم في إنتاجه رمزيا، وهو ما يجعل المقال أقرب إلى صناعة السرديات السياسية منه إلى مجرد نقل الوقائع وتحليلها.
إذا كان من حق المجلة أن تختار الشخصيات التي تراها مؤثرة، فمن حق القارئ أيضا أن يتساءل: ما هو المعيار الذي حكم هذا الاختيار؟
هل هو الوزن الانتخابي؟
إذا كان الأمر كذلك، فكيف حضرت شخصيات لا تستند إلى قاعدة انتخابية وازنة؟
هل هو الموقع الحزبي؟
إذا كان كذلك، فلماذا أدرجت شخصيات لا تقود أحزابا ولا تنتمي أصلا إلى تنظيمات سياسية؟
هل هو الأداء الحكومي؟
لكن القائمة ضمت أيضا شخصيات لم تتول مسؤوليات حكومية مماثلة، في مقابل إغفال أسماء أخرى راكمت تجربة تنفيذية وسياسية معتبرة.

وهكذا يجد القارئ نفسه أمام تصنيف يصعب ضبط منطقه الداخلي، لأنه يمزج بين السياسي والتكنوقراطي، وبين المنتخب والمعين، وبين رجل الحزب ورجل الإدارة، دون معيار واضح يحكم الجميع.

إن أخطر ما في هذا النوع من المقاربات هو اختزال الحياة السياسية المغربية في عدد محدود من الأشخاص، وكأن التعددية الحزبية التي راكمها المغرب على امتداد عقود يمكن اختزالها في ستة عشر اسما.
واللافت أن هذا الاختزال لم يقتصر على شخصيات بعينها، بل طال أحزابا وفاعلين سياسيين لهم حضور تاريخي وانتخابي وتنظيمي.

ولا يقف الأمر عند حزب الحركة الشعبية، رغم مكانته التاريخية ومساهمته في بناء المؤسسات وتدبير الشأن العام، بل ينسحب أيضا على تغييب أو تهميش فاعلين آخرين، بما يطرح سؤالا حول مدى قدرة هذا التصنيف على عكس حقيقة التعددية السياسية المغربية.

فليس المطلوب أن تحضر جميع الأحزاب في أي مقال صحفي، ولكن المطلوب أن تكون معايير الاختيار واضحة ومتسقة، حتى لا يبدو التصنيف انعكاسا لزاوية نظر ضيقة أكثر منه قراءة شاملة للمشهد الوطني.

يلاحظ أيضا أن المقال يمنح مساحة واسعة للحديث عن الكفاءة الإدارية، والنجاح الاقتصادي، والعلاقات الدولية، والخبرة التقنية، وهي كلها عناصر ذات أهمية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عن الشرعية الديمقراطية.
فالحكومة في النظام الدستوري المغربي ليست مجلس إدارة، ورئيس الحكومة ليس مديرا تنفيذيا، بل هو مسؤول سياسي يقود أغلبية برلمانية، ويخضع للمساءلة أمام ممثلي الأمة، ويستمد شرعيته من نتائج الاقتراع.

إن تحويل النقاش من البرامج والاختيارات السياسية إلى السير الذاتية والكفاءات الفردية ينقل السياسة من فضاء التمثيل الديمقراطي إلى فضاء الإدارة التقنية، وهو تحول لا يخدم في النهاية سوى إضعاف الأحزاب وتهميش دورها الدستوري.

لا أحد ينازع الصحافة في حقها في النقد والاستشراف، بل إن الديمقراطية تحتاج إلى إعلام حر ومستقل وقادر على مساءلة الجميع.
لكن هناك فرقا بين تحليل المشهد السياسي، وبين الإسهام في تشكيله.
وهناك فرق بين قراءة موازين القوى، وبين ترتيبها.
وهناك فرق بين استشراف المستقبل، وبين صناعة صورة مسبقة عنه.
فكلما اقترب الإعلام من منح “شهادات أهلية” للحكم، ابتعد عن وظيفته الأصلية بوصفه مراقبا للنقاش العمومي، لا طرفا فيه.

قد تصيب التوقعات الصحفية، وقد تخطئ. وقد تفاجئ الانتخابات الجميع، كما حدث في محطات عديدة من التاريخ السياسي المغربي.
لكن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الصحافة هو أن تنتقل، من حيث تشعر أو لا تشعر، من تفسير السياسة إلى المساهمة في صناعتها، ومن قراءة المزاج العام إلى التأثير في تشكيله.

ويبقى السؤال الذي يطرحه هذا الملف، قبل أي سؤال آخر:
من يملك حق رسم صورة رئيس الحكومة المقبل في وعي المغاربة؟


هل هي صناديق الاقتراع التي منحها الدستور الكلمة الأولى، أم التصنيفات الإعلامية التي تسبق الناخب إلى إصدار الأحكام؟
سيظل الجواب، في دولة المؤسسات والاختيار الديمقراطي، واحدا: الكلمة الأخيرة ليست لغلاف مجلة، ولا لتصنيف صحفي، وإنما للمواطن المغربي، الذي يظل وحده صاحب الحق في تحديد ملامح الأغلبية السياسية التي ستقود الحكومة المقبلة، وفق أحكام الدستور وإرادته الحرة.

*(عضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية)

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail