قبل الحكم… لا أحد يملك أن يتحدث باسم المحكمة الدستورية

*✍️ ذ. زهير أصدور
منذ أن أحيل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية، برزت أصوات تسارع إلى الجزم بأن المحكمة ستقضي بدستوريته، مستندة إلى بعض الاجتهادات المقارنة أو إلى السلطة التقديرية للمشرع في تنظيم المهن.
غير أن هذا الجزم يثير إشكالا دستوريا ومنهجيا قبل أن يثير أي نقاش فقهي، لأن المحكمة الدستورية ليست غرفة للمصادقة على اختيارات البرلمان، وليست جهة تمنح صكوك الشرعية للتشريع، وإنما هي سلطة دستورية مستقلة أنشأها الدستور لمراقبة مدى احترام المشرع للحدود التي رسمها الدستور نفسه.
لذلك، فإن الحديث عن دستورية القانون باعتبارها نتيجة محسومة، قبل صدور القرار، لا يجد سنده في أي قاعدة قانونية، بل يصادر اختصاصا حصريا للمحكمة الدستورية.
إن الأصل أن البرلمان يملك سلطة التشريع، لكن هذا الأصل ليس مطلقا، بل يقيده الدستور. كما أن قرينة دستورية القوانين ليست قرينة نهائية، وإنما تزول متى ثبت أن النص تجاوز الضوابط الدستورية أو مس بجوهر حق أو حرية أو أخل بالتوازن الذي أقامه الدستور بين السلطة والحرية.
ولهذا فإن الاستناد إلى أن فرنسا أو إسبانيا أو إيطاليا تعتمد بعض المقتضيات المشابهة لا يكفي لإثبات دستورية القانون المغربي.
فالدستورية ليست عملية استنساخ للتجارب المقارنة، وإنما هي عملية مطابقة بين القانون والدستور المغربي أولا وأخيرا.
إن القضاء الدستوري المقارن نفسه يؤكد أن التشابه بين النصوص لا يعني بالضرورة تشابه الأحكام، لأن كل محكمة دستورية تنطلق من دستورها، ومن فلسفته، ومن الضمانات التي أقرها، ومن توازناته الخاصة.
ومن ثم، فإن الاستدلال بالتجارب الأجنبية لا يمكن أن يحل محل قراءة دقيقة للفصول الدستورية المغربية، وعلى رأسها تلك المتعلقة بدولة الحق والقانون، واستقلال القضاء، والمحاكمة العادلة، وحقوق الدفاع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والحكامة الجيدة، وحماية الحقوق والحريات.
إن المحاماة ليست مجرد مهنة حرة تخضع لمنطق التنظيم الإداري فقط، وإنما هي شريك أساسي في تحقيق العدالة، وهو ما يجعل استقلالها ضمانة دستورية للمواطن قبل أن يكون امتيازا مهنيا للمحامي.
وهذا ما تؤكده المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين، المعتمدة بهافانا سنة 1990، والتي اعتبرت أن استقلال المحامين شرط لازم لضمان الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة، كما أكدته المبادئ الدولية الصادرة عن الاتحاد الدولي للمحامين، ومجلس أوروبا، وعدد من الهيئات الأممية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تملك الدولة حق تنظيم المهنة؟
فالجواب واضح: نعم.
لكن السؤال الدستوري الصحيح هو:
هل احترم المشرع، وهو يمارس هذا الحق، الحدود التي رسمها الدستور؟
وهل كانت القيود التي أوردها ضرورية بالفعل؟
وهل كانت متناسبة؟
وهل لم يكن بالإمكان تحقيق الأهداف نفسها بوسائل أقل مساسا باستقلال المهنة؟
وهذه هي الأسئلة التي ستجيب عنها المحكمة الدستورية، لا المقالات ولا المنابر الإعلامية.
إن مبدأ التناسب، الذي يستشهد به كثير من المدافعين عن دستورية القانون، لا يعمل في اتجاه واحد.
فهو لا يبرر كل تدخل تشريعي، وإنما يفرض على الدولة إثبات أن الإجراء ملائم، وضروري، ومتوازن، وأن المنفعة العامة المتحققة منه تفوق الضرر الذي قد يلحق بحق أو بحرية أو بضمانة دستورية.
وبالمثل، فإن فكرة المصلحة العامة لا يجوز أن تتحول إلى مبرر لتقليص الضمانات الدستورية كلما تعلق الأمر بمهنة تؤدي وظيفة دستورية في حماية الحقوق والحريات.
إن الدولة الدستورية لا تقوم على تغليب السلطة على الحرية، ولا على تغليب الحرية على السلطة، وإنما على إقامة توازن دقيق بينهما.
ومن ثم، فإن كل مقتضى تشريعي يمس باستقلال المؤسسات المهنية التي تضطلع بوظيفة حماية الحقوق، ينبغي أن يخضع لرقابة دستورية صارمة، لأن الأمر لا يتعلق بمصلحة فئوية، وإنما بضمانة من ضمانات العدالة نفسها.
وأخيرا، فإن احترام المحكمة الدستورية يقتضي انتظار قرارها، لا التحدث باسمها.
أما النقاش العلمي، فيجب أن يظل نقاشا مفتوحا، يقدم الحجج القانونية والدستورية، دون أن يصادر اختصاص المحكمة أو يوحي بأن النتيجة قد حسمت سلفا.
فالدستور هو المرجع، والمحكمة الدستورية هي صاحبة الكلمة الأخيرة، وليس أي اجتهاد فقهي، مهما بلغت قيمته العلمية.
إن قوة دولة الحق والقانون لا تقاس بسرعة الجزم بنتائج الرقابة الدستورية، وإنما باحترام استقلال القضاء الدستوري، وبالإيمان بأن لا أحد، قبل صدور القرار، يملك أن ينطق باسم المحكمة الدستورية.
*(محام بهيئة الرباط)
Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail