قراءة في بلاغ المكتب المديري للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم: بين منطق التواصل ومتطلبات الحكامة

*✍️زهير أصدور
أصدر المكتب المديري للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، عقب اجتماعه المنعقد بتاريخ 16 يوليوز 2026، بلاغا مطولا تناول تقييم مشاركة المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم 2026، إلى جانب الاستعدادات الخاصة بتنظيم كأس العالم 2030.
ولا يختلف اثنان حول ما حققته كرة القدم الوطنية من تطور نوعي خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى النتائج أو البنيات التحتية أو الحضور الدولي للمغرب. غير أن قيمة المؤسسات لا تقاس فقط بالمنجزات، وإنما أيضا بقدرتها على ترسيخ ثقافة التقييم والمساءلة والشفافية.
ومن هذا المنطلق، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
أولا، يبدو أن البلاغ تجاوز، في بعض أجزائه، الوظيفة الإخبارية التي يفترض أن تؤطر بلاغات المؤسسات، ليميل إلى تقديم مرافعة تفسيرية ودفاعية عن حصيلة المرحلة، أكثر من تركيزه على عرض القرارات العملية التي انتهى إليها الاجتماع.
ثانيا، كان من المنتظر أن يتضمن البلاغ تقييما تقنيا أكثر تفصيلا لمشاركة المنتخب الوطني في كأس العالم، مدعوما بمؤشرات موضوعية ومعايير واضحة لقياس الأداء، حتى يطمئن الرأي العام إلى أن تقييم المشاركة لم يكن مجرد انطباع عام، وإنما استند إلى معطيات قابلة للقياس والتحليل.
ثالثا، يثير البلاغ تساؤلات بشأن محدودية القرارات المعلنة. فعلى امتداد صفحات البلاغ، لا يظهر للرأي العام سوى قرار واحد واضح يتمثل في تجديد الثقة في الناخب الوطني، بينما غابت قرارات أخرى مرتبطة بتطوير المنظومة التقنية، أو مراجعة برامج الإعداد، أو استخلاص الدروس المستفادة من المشاركة الأخيرة.
رابعا، يمكن أن يفهم من البلاغ أن مساحة الإشادة بالمنجزات والدفاع عن الاختيارات كانت أكبر من مساحة الوقوف عند أوجه القصور، في حين أن التجارب الرياضية الرائدة تجعل من التقييم الذاتي الصريح أحد أهم أسباب الاستمرار في النجاح.
خامسا، من منظور الحكامة الرياضية، كان من المفيد أن يبين البلاغ الأسس الموضوعية التي اعتمدها المكتب المديري في اتخاذ قرار تجديد الثقة في الطاقم التقني، وأن يوضح طبيعة التقارير التي تمت مناقشتها، والمعايير التي استند إليها في تقييم الأداء، لأن القرارات المعللة تعزز ثقة الرأي العام وتكرس مبادئ الشفافية.
سادسا، دعا البلاغ إلى تطوير التواصل مع الرأي العام، وهي خطوة تستحق التنويه، غير أن التواصل المؤسساتي لا يقاس فقط بعدد البلاغات الصادرة، وإنما بجودة المعلومة، ووضوحها، وقدرتها على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المتابعون، ونشر التقارير والمؤشرات التي تمكن الجميع من تقييم العمل بصورة موضوعية.
ومن جهة أخرى، فإن الانتقال إلى التحضير لتنظيم كأس العالم 2030 يفرض اعتماد آليات جديدة في التدبير، تقوم على التخطيط الاستراتيجي، ونشر مؤشرات الإنجاز، وربط الأهداف بآجال زمنية محددة، بما ينسجم مع حجم الرهان الوطني الذي ينتظر المملكة.
ولعل من المناسب أن تعتمد الجامعة، مستقبلا، إصدار تقرير فني وإداري عقب كل مشاركة دولية كبرى، يتضمن تقييما للأداء، والإكراهات التي واجهت المنتخب، والدروس المستخلصة، والإجراءات المزمع اتخاذها، وهو ما أصبح ممارسة معمول بها داخل العديد من الاتحادات الرياضية الكبرى.
إن النقد الموضوعي لا ينتقص من قيمة المنجز، كما أن الإشادة بالنجاحات لا ينبغي أن تحول دون ممارسة التقييم الذاتي. فالنجاح الحقيقي لا يكمن فقط في ما تحقق، وإنما في القدرة على تطويره، وتصحيح الاختلالات، وتحويل كل تجربة إلى فرصة جديدة للتقدم.
إن تنظيم المغرب لكأس العالم 2030 يمثل مسؤولية وطنية وتاريخية، ويقتضي ترسيخ ثقافة الحكامة والشفافية والتقييم المستمر، باعتبارها الضمانة الأساسية لتحقيق النجاح الرياضي والتنظيمي الذي يليق بمكانة المملكة.
*( رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في الرياضة)































