بيع التزكيات الانتخابية… جريمة أخلاقية وسياسية في حق الوطن
✍️نورالدين البركاني
تشكل المحطات الانتخابية مناسبة لتعزيز الديمقراطية، وتجديد النخب السياسية، وتمكين المواطنين من اختيار من يمثلهم بكل حرية. غير أن بعض قادة الأحزاب الذين يفتقرون إلى الضمير الوطني يحولون هذه المناسبة إلى سوق للمساومة والمتاجرة في التزكيات، حيث تصبح الكفاءة والنزاهة وخدمة الصالح العام أقل أهمية من المال والنفوذ والعلاقات الشخصية.
فإذا أصبحت التزكية تُمنح لمن يدفع أكثر، أو لمن يمتلك شبكة من المصالح، فإن العملية الديمقراطية تتعرض لاختلال خطير يبدأ من داخل الأحزاب قبل أن يصل إلى صناديق الاقتراع. فالتزكية هي البوابة الأولى للترشح، وإذا فُقدت فيها العدالة والشفافية، أصبح من الصعب انتظار نتائج تعكس الإرادة الحقيقية للمواطنين.
إن بيع التزكيات لا يسيء فقط إلى صورة الأحزاب السياسية، بل يضرب في العمق ثقة المواطنين في العمل السياسي برمته. فعندما يرى المواطن أن بعض المرشحين يحصلون على التزكية بفضل المال بدل الكفاءة، فإنه يفقد الأمل في إمكانية التغيير عبر صناديق الاقتراع، ويزداد العزوف الانتخابي، وتتراجع المشاركة السياسية.
كما أن المتاجرة بالتزكيات تفتح المجال أمام وصول أشخاص لا يتوفرون على الكفاءة، ولا النزاهة، ولا المشروع المجتمعي، فينعكس ذلك على جودة التشريع، وفعالية الرقابة، وحسن تدبير الشأن العام. والأسوأ من ذلك أن بعض المنتخبين قد ينشغلون باسترجاع ما أنفقوه خلال مسار الترشح والانتخابات، بدل التفرغ لخدمة المواطنين والدفاع عن مصالحهم.
لقد أظهرت تجارب العديد من الديمقراطيات أن قوة الأحزاب لا تُقاس بعدد مقاعدها فقط، بل أيضاً بمدى احترامها للديمقراطية الداخلية، وشفافية اختيار مرشحيها، وخضوع مسؤوليها للمساءلة. فالأحزاب التي تعتمد معايير واضحة في اختيار مرشحيها، وتفسح المجال للتنافس النزيه داخل هياكلها، تكون أكثر قدرة على استقطاب الكفاءات وكسب ثقة المواطنين.
وللحد من ظاهرة الاتجار في التزكيات، تبرز مجموعة من الإصلاحات الضرورية، من بينها:
🔹 اعتماد معايير موضوعية ومعلنة لمنح التزكيات، ترتكز على الكفاءة، والنزاهة، والحضور الميداني، والقدرة على خدمة المواطنين.
🔹 تكريس الديمقراطية الداخلية عبر إشراك المناضلين والهيئات الحزبية في اختيار المرشحين، والحد من احتكار القرار.
🔹 إرساء مساطر واضحة للطعن في قرارات التزكية داخل الأحزاب، بما يضمن الإنصاف والشفافية.
🔹 إخضاع جميع الشكايات المتعلقة بالاتجار في التزكيات لتحقيقات مستقلة وسريعة كلما توفرت مؤشرات جدية.
🔹 تشديد العقوبات القانونية والتنظيمية على كل من يثبت تورطه في بيع أو شراء التزكيات، حمايةً لنزاهة الحياة السياسية.
🔹 تعزيز الشفافية المالية داخل الأحزاب، وإخضاعها لآليات رقابة فعالة، بما يحد من تأثير المال غير المشروع في القرارات الحزبية.
🔹 اعتماد مواثيق أخلاقية ملزمة للمسؤولين الحزبيين، تتضمن قواعد واضحة لتدبير التزكيات وتفادي تضارب المصالح.
🔹 تشجيع الكفاءات والشباب والنساء وأصحاب الخبرة على الانخراط في العمل السياسي، وتهيئة بيئة تنافسية قائمة على الاستحقاق لا على النفوذ.
إن إصلاح الحياة السياسية يبدأ من إصلاح الأحزاب نفسها، لأنها المدرسة الأولى للديمقراطية. فلا يمكن بناء مؤسسات قوية بأشخاص وصلوا عبر المال أو الزبونية أو الولاءات الضيقة، وإنما بكفاءات نزيهة تحمل مشروعاً لخدمة الوطن والمواطنين.
فبناء مغرب قوي وديمقراطي لا يمكن أن يتحقق بأموال الفساد والزبونية، بل برجال ونساء يؤمنون بخدمة الوطن والمواطنين. فالتزكية ليست سلعة تباع وتشترى، بل هي أمانة وطنية ومسؤولية سياسية وأخلاقية يجب أن تُمنح للأكفأ والأقدر على خدمة الصالح العام.
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: أما آن الأوان لفتح نقاش وطني مسؤول حول شفافية منح التزكيات، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الأحزاب السياسية، حتى تصبح الكفاءة والنزاهة وحدهما الطريق إلى تحمل المسؤولية العمومية؟































