جهة الشرق: حين تعرقل التزكيات المشبوهة والمال الانتخابي مسار التنمية

بقلم: نورالدين البركاني
تُعد جهة الشرق من أكثر جهات المملكة المغربية غنى بالمؤهلات الطبيعية والبشرية والاستراتيجية. فهي تتوفر على واجهة متوسطية مهمة، ومجال فلاحي واعد، ومؤهلات سياحية متنوعة، ورأسمال بشري متميز داخل الوطن وخارجه، فضلاً عن مشاريع مهيكلة كبرى من حجم ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يُرتقب أن يشكل رافعة اقتصادية وصناعية ولوجستيكية كبرى لفائدة الجهة والمملكة.
كما تتوفر الجهة على إمكانيات كبيرة في مجالات الفلاحة والصيد البحري والسياحة والتجارة والخدمات، إضافة إلى موقعها الجغرافي المتميز الذي يؤهلها لتكون جسراً اقتصادياً بين المغرب وعمقه المتوسطي والإفريقي.
ورغم هذه المؤهلات الهائلة، فإن العديد من مواطني الجهة ما زالوا يتساءلون عن الأسباب التي حالت دون تحقيق مستوى التنمية الذي ينسجم مع حجم هذه الإمكانات. فالتنمية لا ترتبط فقط بالمشاريع والبنيات التحتية، بل ترتبط كذلك بجودة النخب التي تتولى التمثيل والتدبير والترافع عن مصالح المواطنين داخل المؤسسات المنتخبة.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل نجحت الانتخابات المتعاقبة في إفراز أفضل الكفاءات التي تزخر بها جهة الشرق؟ وهل كانت التزكيات الحزبية تُمنح دائماً وفق معايير الكفاءة والنزاهة والاستحقاق؟ أم أن المال والنفوذ والعلاقات الشخصية أصبحت، في بعض الأحيان، عوامل حاسمة في تحديد من يترشح ومن يصل إلى مواقع القرار؟.
لقد تحولت بعض المحطات الانتخابية، في نظر عدد كبير من المواطنين، إلى مواسم يزداد فيها الحديث عن المال الانتخابي وشراء الأصوات واستعمال مختلف وسائل التأثير غير المشروعة. وأصبحت بعض مناطق جهة الشرق تُستحضر باستمرار في النقاش العمومي كلما أثير موضوع الفساد الانتخابي، الأمر الذي يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى تأثير هذه الممارسات على مسار التنمية وعلى جودة التمثيلية السياسية.
إن أخطر ما في المال الانتخابي أنه لا يفسد الانتخابات فقط، بل يفسد أيضاً طبيعة النخب التي تصل إلى المؤسسات المنتخبة. فعندما يصبح المال هو المعيار الحاسم، يتم إقصاء العديد من الكفاءات والأطر النزيهة التي لا تمتلك إمكانيات مالية كبيرة، رغم ما تتوفر عليه من خبرة وكفاءة وقدرة على خدمة المواطنين.
ولا تقل خطورة بيع التزكيات الحزبية عن خطورة شراء الأصوات. فالتزكية ليست امتيازاً شخصياً ولا سلعة قابلة للبيع والشراء، بل هي شهادة ثقة تمنحها الأحزاب لمن تعتبرهم الأقدر على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم. وعندما تتحول التزكية إلى مجال للمساومة أو النفوذ أو المصالح الضيقة، فإن أول ضحاياها يكونون الكفاءات الحقيقية، كما تتضرر مصداقية الأحزاب وثقة المواطنين فيها.
ومن أخطر مظاهر الانحراف التي قد تصيب العمل السياسي أن يتحول المقعد الانتخابي من وسيلة لخدمة المواطنين إلى غاية في حد ذاته. فعندما يصبح همّ بعض المسؤولين الحزبيين أو بعض طالبي التزكيات هو الفوز بالمقعد فقط، دون اعتبار للقيم والمبادئ التي ينبغي أن تؤطر التنافس الديمقراطي، فإننا نكون أمام أزمة حقيقية في الممارسة السياسية.
والأخطر من ذلك أن نسمع أحياناً من يردد، صراحة أو ضمناً: «ما يهمني هو الحصول على المقعد، وليس كيف تم الحصول عليه». وهذه العبارة تختزل جانباً كبيراً من الأزمة التي تعاني منها الحياة السياسية في بعض المناطق. فالمشكل لا يكمن في السعي المشروع إلى الفوز، بل في الوسائل المعتمدة لتحقيق ذلك الفوز.
ففي السياسة كما في الحياة، لا تكفي النتيجة وحدها للحكم على النجاح، بل إن الطريق المؤدي إليها لا يقل أهمية عنها. والمقعد الذي يُبنى على الكفاءة والنزاهة وثقة المواطنين يكتسب شرعية أخلاقية وسياسية قوية، أما المقعد الذي يُنتزع باستعمال المال أو النفوذ أو شراء الأصوات أو التلاعب بإرادة الناخبين، فإنه يساهم في إضعاف الثقة في المؤسسات وفي العملية الديمقراطية برمتها.
إن الانتخابات ليست مجرد منافسة بين المرشحين والأحزاب للفوز بالمقاعد، بل هي أيضاً اختبار حقيقي للأحزاب واختبار للمواطنين في آن واحد. فهي تكشف مدى احترام الأحزاب لمبادئ الديمقراطية والشفافية والنزاهة في منح التزكيات، كما تكشف مدى قدرة المواطنين على مقاومة الإغراءات والضغوط المختلفة والتمسك بحرية اختيارهم.
فالديمقراطية لا تُبنى فقط بالقوانين والرقابة، بل تُبنى أيضاً بمواطن واعٍ يدرك أن صوته أمانة ومسؤولية، وأن اختياره اليوم يحدد مستقبل جماعته وإقليمه وجهته ووطنه لسنوات طويلة.
وإذا كانت جهة الشرق تتوفر على مؤهلات اقتصادية وبشرية وتنموية هائلة، فإنها تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى نخب تصل إلى المسؤولية بفضل الكفاءة والاستحقاق وخدمة المواطنين، لا بفضل المال أو النفوذ أو العلاقات. فالتنمية لا يصنعها الباحثون عن المقاعد، بل يصنعها أصحاب الرؤية والكفاءة والإرادة الصادقة لخدمة الصالح العام.
ولهذا فإن تخليق الحياة السياسية يقتضي تطبيق القانون بحزم على كل من يثبت تورطه في بيع التزكيات أو شراء الأصوات أو استغلال النفوذ الانتخابي، مهما كان موقعه أو انتماؤه. كما يقتضي اعتماد معايير واضحة وشفافة في منح التزكيات، ترتكز على الكفاءة العلمية والمهنية، والنزاهة الأخلاقية، والتجربة الميدانية، والقدرة على الترافع عن قضايا المواطنين.
إن جهة الشرق تستحق نخباً في مستوى مؤهلاتها وطموحات ساكنتها. فهي تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون إحدى قاطرات التنمية بالمملكة، لكن تحقيق هذا الهدف يظل رهيناً بقدرتنا على تخليق الحياة السياسية، وجعل الكفاءة والنزاهة والاستحقاق أساساً للوصول إلى المسؤولية.
فالأوطان لا تُبنى بالمال الانتخابي، ولا بالتزكيات المشبوهة، ولا بشراء الذمم، وإنما تُبنى بالكفاءات الصادقة والإرادة السياسية النزيهة والمواطن الواعي. وعندما تنتصر الكفاءة على المال، والنزاهة على المصالح الضيقة، والإرادة الحرة على كل أشكال التأثير والفساد، ستتمكن جهة الشرق من استثمار كامل مؤهلاتها، وستكون قادرة على احتلال المكانة التي تستحقها ضمن الجهات الرائدة في المملكة.
إن المعركة الحقيقية ليست من أجل الفوز بالمقاعد، بل من أجل استعادة ثقة المواطنين في السياسة، وإفراز نخب قادرة على تحويل مؤهلات جهة الشرق إلى تنمية حقيقية يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail