قبل ولادتها الرسمية… النقابة الشعبية للشغل تضع المحروقات والتقاعد في قلب معركة العدالة الاجتماعية
عبد الباسط لطفي
في وقت تتسع فيه دائرة القلق الاجتماعي بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المغاربة، يفرض ملفا المحروقات والتقاعد نفسيهما باعتبارهما من أكثر القضايا ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطن. فبين أسعار الوقود التي تؤثر بشكل مباشر على النقل والإنتاج والاستهلاك، وبين مستقبل أنظمة التقاعد الذي يشغل ملايين الأجراء والمتقاعدين، يجد المغرب نفسه أمام تحديين كبيرين يختبران مدى قدرته على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضرورات العدالة الاجتماعية.
وفي خضم هذا النقاش الوطني المتواصل، تستعد النقابة الشعبية للشغل لعقد مؤتمرها التأسيسي يوم 26 يونيو 2026 بمسرح بوجميع بمدينة الدار البيضاء، في محطة تنظيمية يراد لها أن تشكل انطلاقة مشروع نقابي جديد يطمح إلى جعل القضايا الاجتماعية الكبرى في صلب اهتماماته، بعيداً عن المقاربات التقليدية التي اختزلت العمل النقابي في ملفات فئوية محدودة.
لقد تحول ملف المحروقات خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز عناوين النقاش العمومي بالمغرب. فمنذ قرار تحرير الأسعار سنة 2015، أصبح المواطن المغربي يواجه تقلبات السوق الدولية دون وجود آليات كافية تضمن انعكاس انخفاض الأسعار العالمية على السوق الوطنية بالسرعة نفسها التي تنعكس بها الزيادات. وتشير معطيات مؤسساتية إلى أن هوامش أرباح شركات التوزيع تجاوزت في بعض الفترات درهماً ونصف الدرهم بالنسبة للغازوال ودرهمين بالنسبة للبنزين، وهو ما يطرح أسئلة حقيقية حول حدود المنافسة وحول مدى استفادة المستهلك من تحرير السوق.
وتتضاعف خطورة هذا الملف عندما ندرك أن المحروقات لا تمثل مجرد سلعة استهلاكية، بل تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني. فارتفاع سعر الغازوال بدرهم واحد فقط يمكن أن ينعكس على تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، ليصل أثره في النهاية إلى أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية والخدمات الأساسية. لذلك لم يعد الحديث عن المحروقات مجرد نقاش اقتصادي، بل أصبح نقاشاً حول العدالة الاجتماعية وحول الحق في حماية القدرة الشرائية للمواطن.
ومن جهة أخرى، يقف ملف التقاعد باعتباره أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيداً وحساسية. فالتقارير الرسمية تحذر منذ سنوات من الاختلالات المالية التي تعرفها بعض أنظمة التقاعد نتيجة التحولات الديمغرافية وارتفاع أعداد المتقاعدين مقارنة بالمساهمين النشيطين. كما أن آلاف الموظفين والأجراء سيحالون على التقاعد خلال السنوات المقبلة، وهو ما سيزيد الضغط على الصناديق ويجعل الحاجة إلى الإصلاح أكثر إلحاحاً.
غير أن الإصلاح لا يمكن أن يتحول إلى عملية محاسباتية صرفة يكون الأجير والمتقاعد ضحيتها الوحيدة. فحين يحصل متقاعد بعد عقود من العمل على معاش لا يكفي لتغطية مصاريف العلاج والسكن والغذاء، يصبح الحديث عن التوازنات المالية غير كافٍ ما لم يقترن بضمان الحد الأدنى من الكرامة الاجتماعية. ولهذا فإن أي إصلاح ناجح ينبغي أن يقوم على توسيع قاعدة المنخرطين، وإدماج القطاع غير المهيكل، ومحاربة التهرب من التصريح بالأجراء، وتحسين حكامة الصناديق واستثمار احتياطاتها بشكل أكثر مردودية وشفافية.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في التحكم في أسعار المحروقات أو إنقاذ صناديق التقاعد، بل في بناء نموذج اجتماعي جديد يجعل المواطن محور السياسات العمومية. فالدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بحجم الميزانيات المرصودة، وإنما بقدرتها على حماية الفئات المنتجة وصيانة كرامة المتقاعدين وضمان توزيع عادل لأعباء الإصلاح.
ومن هذا المنطلق، يأتي المؤتمر التأسيسي للنقابة الشعبية للشغل كفرصة لطرح رؤية نقابية جديدة تنطلق من هموم المواطنين اليومية وتبحث عن حلول واقعية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة. فالمغاربة لا ينتظرون مزيداً من الشعارات، بل ينتظرون مبادرات عملية وأفكاراً قادرة على التوفيق بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وبين لهيب أسعار المحروقات وقلق المستقبل التقاعدي، يبقى السؤال المطروح على مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والنقابيين هو: كيف يمكن بناء مغرب يحقق التنافسية الاقتصادية دون التضحية بالكرامة الاجتماعية؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيواجه النقابة الشعبية للشغل منذ لحظة ميلادها الرسمية يوم 26 يونيو 2026، وهو التحدي الذي سيحدد مدى قدرتها على التحول إلى قوة اقتراحية فاعلة داخل المشهد النقابي المغربي.































