أزمة الأحزاب: حين تتقدم ‘التزكية’ على ‘الرؤية’
✍️ نور الدين التازوي المريني
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، تتضح أكثر الفجوة بين “الطموح الدستوري” وبين “الواقع الحزبي” الذي ما زال محصوراً في منطق الأعيان والانتقال بين الأحزاب. الصورة اليوم تكشف مفارقة مقلقة: أحزاب تبحث عن المقاعد عبر “تزكيات جاهزة”، في المقابل قواعد اجتماعية جديدة – وعي جيل Z ومغاربة العالم – صارت تطالب بـ”المضمون” و”التمثيل الحقي” بدل الوعود الاستهلاكية.
1. “ديمقراطية التزكية”: إفراغ السياسة من مضمونها
تحولت “التزكية” من أداة لاختيار الكفاءات إلى هدف بحد ذاته، فظهر ما يشبه “الترحال الحزبي” المقنع. حين يغيب الانتماء للبرنامج ويحل محله الانتماء للأشخاص أو للمصالح، يفقد الحزب دوره الأساسي كجسر يربط الدولة بالمواطن.
الملك محمد السادس أشار إلى هذا الخلل بوضوح في خطاب افتتاح البرلمان أكتوبر 2017، عندما شدد على أن: «العمل السياسي يتطلب المصداقية، وإذا غابت هذه المصداقية، لن يثق المواطن في أي خطاب أو هيئة سياسية». واستمرار الأحزاب في تقديم “أشخاص الحملة” على حساب “الكفاءات” يعني أننا أمام أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة مقاعد.
2. جيل Z والجالية: مطلب “لوبي وطني” فاعل
يشترك شباب جيل Z داخل المغرب ومغاربة الخارج في إحساس واحد بالتهميش عن مراكز القرار المؤثرة.
– جيل Z: يملك وعياً رقمياً متقدماً، لم يعد يقنعه الخطاب الكلاسيكي، ويرى أن الصراع السياسي الحالي بعيد عن اهتماماته.
– الجالية: رغم كونها قوة اقتصادية ودبلوماسية للمغرب، ما زالت تصطدم بـ”البيروقراطية الحزبية” التي تعطل تفعيل الفصول 16 و17 و18 من الدستور.
هنا يأتي خطاب المسيرة الخضراء نونبر 2022 ليضع خارطة طريق، حين دعا جلالة الملك إلى: «الارتقاء بأسلوب التعامل مع انشغالات مغاربة العالم، وتجاوز العقبات التي تعيق اندماجهم الكامل». والاندماج المقصود ليس إدارياً فقط، بل سياسياً أيضاً، بمنحهم القدرة على التأثير في القرار الوطني.
3. نحو “كتلة تاريخية” للتغيير
الرهان لم يعد على “إصلاح الأحزاب من الداخل” بعدما أثبتت التجارب تعثره، بل على “ضغط القوى الفاعلة”. تحالف كفاءات الداخل من جيل Z مع كفاءات الخارج من الجالية قادر على تشكيل “لوبي” ضاغط يفرض أجندة وطنية تتجاوز منطق “انتخابات التزكيات”.
التغيير الجذري يبدأ عندما تفرض هذه القوى شروطها:
1. البرامج قبل الأسماء: البرنامج الحزبي هو المرجع الوحيد للعقد مع الناخب.
2. تأطير التزكيات: باعتماد مساطر شفافة تفتح الباب للشباب والكفاءات المهاجرة بعيداً عن منطق الولاءات.
3. تفعيل الدستور: نقل فصول مشاركة الجالية من نصوص جامدة إلى ممارسة برلمانية فعلية.
المغرب الذي يعوّل على طاقات أبنائه في الداخل والخارج مطالب اليوم بإغلاق مرحلة “السياسة الموسمية”. وكما ذكر جلالة الملك في خطاب العرش يوليوز 2022، فإن طموحات المملكة تحتاج انخراطاً مسؤولاً من كل الطاقات.
الأحزاب التي ستستوعب هذه “القوى الصاعدة” هي من ستقود المرحلة المقبلة. أما من يتمسك بمنطق “التزكيات” فمصيره العزلة الشعبية.
المعركة ليست على المقاعد، بل على “استعادة الثقة”. ولن يكسبها إلا من آمن أن مغرب الغد يُبنى ببرامج الكفاءات، لا بصفقات الأعيان.































