زلزال داخل المحاماة… النقباء يلوّحون بالاستقالة في وجه وزير العدل.

*✍️ذ. زهير أصدور

في السياسة قد يختلف الناس، وفي التشريع قد تتباين الرؤى، لكن أن يتحول وزير العدل إلى خصم لمهنة المحاماة، فذلك ليس مجرد خلاف عابر، بل انزلاق خطير في فهم معنى الدولة ومعنى المؤسسات.
البيان الصادر عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب لم يكن مجرد رد فعل مهني غاضب، بل كان بمثابة إعلان فقدان الثقة في الطريقة التي يدار بها ورش العدالة من داخل الوزارة نفسها. فحين يتحدث النقباء عن “التفاف”، و”تحدٍّ”، و”مناورات مغرضة”، و”حقد دفين”، فذلك يعني أن الأزمة تجاوزت حدود النقاش التقني حول مواد قانونية، وأصبحت أزمة سلوك سياسي ومؤسساتي.

وزير العدل، الذي كان يفترض فيه أن يكون ضامنا للتوازن بين السلط، اختار أن يلعب دور المشرّع المنفرد، والمفاوض المتنصل، والخصم الذي يريد إخضاع المحاماة لا الحوار معها. والأخطر أنه فعل ذلك بمنطق الاستقواء الظرفي، وكأن استقلالية المحامي امتياز ممنوح من السلطة، لا ضمانة دستورية لحماية المواطن نفسه.
ما وقع داخل المؤسسة التشريعية لا يشبه نقاشا قانونيا رصينا، بل أقرب إلى تصفية حسابات مؤجلة مع مؤسسة النقيب ومع تاريخ طويل من الأصوات الحرة داخل المحاكم وخارجها. فمن غير الطبيعي أن يتحول النقيب، الذي يمثل رمزية الدفاع واستقلال المهنة، إلى هدف دائم للتشويه والتحجيم والتحقير. ومن غير المقبول أن تُقدَّم تعديلات شفوية تمس جوهر استقلالية المحاماة، وكأن الأمر يتعلق بتعديل هامشي في نص إداري عابر.

لقد بدا وزير العدل، في هذا الملف، وكأنه يريد محاماة على المقاس: محاماة صامتة، مطواعة، منزوع منها النفس النقدي، ومحاصرة تنظيميا وتأديبيا. وهي رؤية خطيرة لا تضرب المحامين وحدهم، بل تضرب فكرة الدفاع نفسها. لأن أول خطوة نحو إضعاف العدالة، هي إضعاف من يزعجون السلطة باسم القانون.
والمثير للسخرية أن الوزير الذي يرفع خطاب “التحديث” و”الإصلاح”، عاد إلى أساليب قديمة تقوم على صناعة الانقسام داخل الجسم المهني، ومحاولة اللعب على التناقضات بين الأجيال، وكأن المحامين مجرد قبائل انتخابية يمكن تفتيتها بخطاب شعبوي رخيص. غير أن بيان الجمعية جاء واضحا: النقباء أنفسهم هم من دافعوا عن تمثيلية الشباب وعن التداول على المسؤولية. وهنا سقط القناع.

المشكلة اليوم ليست في مادة قانونية هنا أو هناك، بل في عقلية تدبير تعتبر كل مؤسسة مستقلة تهديدا يجب تطويعه. لذلك لم يعد السؤال: ماذا يريد وزير العدل من المحامين؟ بل: أي عدالة يريدها هذا الوزير للمغاربة؟
عدالة بدون محام قوي، هي مجرد إدارة.
وعدالة بدون استقلالية الدفاع، هي مجرد واجهة.
أما الدولة التي تدخل في حرب استنزاف مع المحامين، فهي دولة تخاطر بإضعاف آخر خطوط التوازن داخل المجتمع.

لقد أخطأ الوزير حين اعتقد أن المحاماة يمكن إخضاعها بمنطق الغلبة السياسية أو الاستعراض البرلماني. فالمحاماة في المغرب ليست جمعية موسمية، بل ذاكرة نضال، وخزان كفاءات، وتاريخ مواجهة مع كل محاولات التدجين.
وحين يصل الأمر إلى إعلان نقباء الهيئات السبعة عشر نيتهم تقديم استقالة جماعية، فذلك ليس حدثا عاديا، بل إنذار سياسي وقانوني وأخلاقي مدوٍّ.
لأن المؤسسات حين تفقد لغة الحوار، تبدأ لغة التصعيد.
وحين يُستهدف النقباء اليوم، فقد يأتي الدور غدا على كل صوت مهني مستقل لا يصفق للسلطة.
وزير العدل لم يفتح معركة مع المحامين فقط…
بل فتح معركة مع فكرة الاستقلال نفسها.

*(محام بهيئة الرباط)

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail