إعلانات براقة وقصورٌ واضحٌ في الميدان..مجلس المنافسة يشدد المراقبة على أسعار المحروقات وجيوب المغاربة تشتعل بالزيادات المتتالية

خنيفرة / محمد مرادي

مرة أخرى، يجد المواطن المغربي نفسه أمام مفارقة صارخة يصعب استيعابها: فمن جهة، يعلن مجلس المنافسة تشديد الرقابة على أسعار المحروقات، وفي المقابل تستمر هذه الأسعار في الارتفاع بوتيرة تكاد تصبح اعتيادية، دون أي أثر ملموس لهذا “التشديد” المعلن. آخر حلقات هذا المسلسل كانت الزيادة الأخيرة التي تجاوزت درهمين في اللتر الواحد، والزيادة المرتقبة يوم 30 مارس 2026 والتي قد تتجاوز الدرهمين مرة أخرى، وكأن السوق يسير في اتجاه، والخطاب الرسمي في اتجاه معاكس تماماً.

لم يعد الأمر يتعلق بتقلبات ظرفية أو مبررات مرتبطة بالسوق الدولية فقط، بل أصبح السؤال أعمق: ما جدوى الحديث عن الرقابة إذا كان المواطن لا يرى سوى نتائج عكسية؟ وكيف يمكن تفسير استمرار الزيادات في ظل وجود مؤسسة دستورية يفترض أن تسهر على حماية المستهلك من جشع الموردين؟

فبينما يُعلن مجلس المنافسة، بكل ثقة، عن تعزيز آليات مراقبة انتقال تقلبات الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية، والانتقال من التتبع الفصلي إلى التتبع الشهري، يعيش المواطن واقعًا مغايرًا تمامًا. فمنذ تحرير أسعار المحروقات، انفتح السوق على التقلبات الدولية وممارسات الفاعلين، لكن المواطن المغربي ظل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، في غياب منافسة حقيقية بين اللوبيات التي تتحكم في السوق وتفرض خياراتها على حساب مصلحته.

فالزيادات المتكررة في أسعار المحروقات لا تقف آثارها عند حدود التنقل فقط، بل تمتد لتشمل مختلف مناحي الحياة، من ارتفاع كلفة النقل إلى زيادة أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات، مما يفاقم الضغط على القدرة الشرائية للأسر المغربية. إنه عبء ثقيل ينهك القدرة الشرائية، دون أي آلية فعالة للتخفيف أو التوازن.

والأكثر إثارة للقلق، هو هذا الإحساس المتزايد لدى المواطنين بأن السوق متروك لمنطق “من يدفع أكثر”، وأن هوامش الربح تبقى خارج أي نقاش شفاف أو محاسبة حقيقية. فالتقارير السابقة التي تحدثت عن اختلالات في سوق المحروقات لم تُترجم إلى إجراءات رادعة واضحة، بل ظلت حبيسة الرفوف، بينما تستمر الأسعار في الصعود. فحتى رئيس مجلس المنافسة نفسه، يعترف بأن المجلس لا يتابع يومياً تطور الأسعار، وأن هذه المهمة تعود للحكومة، وهو ما يثير التساؤل: إن لم يكن المجلس، فمن إذن؟

إن استمرار هذا التناقض بين التصريحات والواقع لا يضع فقط مصداقية المؤسسات على المحك، بل يكرس أيضاً فقدان الثقة في جدوى الرقابة نفسها. فالمواطن لم يعد ينتظر البلاغات، بل يبحث عن أثرها في فاتورة محطة الوقود، في ثمن النقل، وفي كلفة معيشته اليومية، وهو أثر يبدو غائباً تماماً. وحتى عندما يعلن المجلس عن عقده اجتماعات مع شركات التوزيع ، أو عن نشره لمذكرة توضيحية، فإن المواطن لا يرى سوى استمرار نزيف الأسعار، الذي تجاوز مؤخراً عتبة 14 درهماً للتر الواحد في العديد من المحطات .

فاليوم، لم يعد المطلوب مجرد إعلان نوايا أو وعود بتشديد المراقبة، بل اتخاذ إجراءات حقيقية وملموسة: كشف تركيبة الأسعار بشفافية، تحديد هوامش الربح، تخفيض الضرائب، وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن الأجدى من كل ذلك هو العودة إلى النظام السابق في تدبير قطاع المحروقات، أي النظام الذي كان قائماً قبل تحرير الأسعار في عهد رئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله بنكيران، ذلك النظام الذي ضمن استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فبدون هذه الخطوات الجريئة، سيظل الحديث عن الرقابة مجرد خطاب للاستهلاك، بينما تستمر جيوب المغاربة في الاحتراق مع كل زيادة جديدة. وقد كان المجلس الأعلى للحسابات نفسه قد أشار في تقارير سابقة إلى أن قطاع المحروقات يظل “مركزاً”، وأن المنافسة فيه تبقى محدودة، فكيف يمكن إذن تحقيق رقابة فعالة في سوق لا تتوفر فيه شروط المنافسة الحقيقية؟

في ظل هذا الوضع، لم يعد السؤال متى سترتفع الأسعار مجدداً، بل إلى متى سيستمر هذا الصمت الرسمي أمام واقع يزداد قسوة على المواطن يوماً بعد يوم؟ وإلى متى سيبقى المواطن المغربي عالقاً بين وعود الرقابة وواقع الزيادات، منتظراً حلولاً حقيقية تضع حداً لهذا التناقض الذي يثقل كاهله؟

إن تعزيز المراقبة، كما يعلنها المجلس اليوم، قد يكون خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تبقى ناقصة ما لم تترجم إلى أفعال تُحدث فرقاً ملموساً في الأسعار. فالمغرب، الذي يستورد 94% من حاجياته من المحروقات ، يظل في موقع ضعف أمام التقلبات الدولية، لكن هذا لا يبرر غياب الشفافية الداخلية ولا يفسر استمرار التصريحات دون نتائج. إن إعادة الثقة تستوجب الانتقال من منطق التصريحات إلى منطق المحاسبة.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail