التعاقد الحركي والتعليم والتكوين: كيف نبني مدرسة للجودة وتكوينا يفتح أبواب الفرص؟

*✍️زهير أصدور
قراءة في التعاقد الحركي – الحلقة السادسة من 14
لا تقاس جودة التعليم بعدد المدارس والجامعات وحدها، ولا نجاح التكوين بعدد الشهادات الممنوحة. المقياس الحقيقي هو ما يحدث للإنسان بعد ذلك: ماذا تعلم؟ ماذا أصبح قادرا على أن يفعل؟ وهل فتحت له المعرفة والتكوين طريقا للارتقاء والعمل؟
من هذا السؤال ينطلق «التعاقد الحركي»، باحثا عن الانتقال من تعليم يمنح الشهادة إلى تعليم يمنح القدرة، ومن تكوين ينتهي بالدبلوم إلى تكوين يفتح طريق العمل.
يبدأ التعاقد من محاربة الأمية عبر إطلاق «مسيرة النور»، باعتبارها تعبئة وطنية لخمس سنوات تستنهض إمكانات الدولة والمجتمع والجامعة والمدرسة والمتطوعين والفضاءات العمومية.
فالأمية لم تعد تعني فقط عدم القراءة والكتابة، بل أصبحت تحد أيضا من قدرة الإنسان على التعامل مع الإدارة والخدمات الرقمية والوصول إلى المعرفة والفرص. لذلك فمحاربتها استثمار في الكرامة والاستقلال والاندماج.
ويعالج التعاقد أيضا إشكالية الانتقال اللغوي بين المدرسة والجامعة، حتى لا يجد الطالب نفسه أمام لغة تدريس أو تقييم تتحول إلى سبب للتعثر رغم قدراته العلمية.
ويقترح مسارات جامعية متكافئة في الجودة والمحتوى والتقييم والاعتراف، مع تعزيز العربية والانفتاح على الإنجليزية، وإطلاق برامج للترجمة وتأليف المراجع وتكوين الأساتذة، والانتقال التدريجي نحو العربية والإنجليزية في التقييم الجامعي.
والغاية ليست خلق صراع بين اللغات، بل ضمان ألا تتحول اللغة إلى أداة للإقصاء: فاللغة ينبغي أن تكون جسرا إلى المعرفة، لا حاجزا أمامها.
وفي التعليم العالي، يتمسك التعاقد بمجانية الجامعة العمومية باعتبارها أداة للارتقاء الاجتماعي وتكافؤ الفرص، ويقترح في الوقت نفسه الاعتراف بالمكتسبات المهنية.
فكثير من المغاربة راكموا خبرات طويلة في الصناعة والفلاحة والحرف والخدمات وغيرها، دون أن تسمح لهم ظروفهم باستكمال تعليمهم العالي. والاعتراف بهذه الخبرة، وفق معايير محددة، يفتح أمامهم إمكانية العودة إلى الجامعة واستكمال مسارهم، انطلاقا من أن المعرفة لا تنتج داخل المدرجات وحدها.
ولا يريد التعاقد للمدرسة أن تبقى فضاء لحفظ الدروس واجتياز الامتحانات فقط، بل مجالا لبناء شخصية الطفل وقدرته على التفكير والإبداع والعمل الجماعي.
لذلك يقترح تعميم النوادي الثقافية والفنية والرياضية والتطوعية، وإدخال البرمجة والروبوتيك والابتكار والإعلام المدرسي والبيئة وريادة الأعمال في الحياة المدرسية، وإعطاء الأنشطة الموازية مكانة داخل الزمن المدرسي والتقييم، إلى جانب إحداث «شهادة الكفاءة في المواطنة والعمل التطوعي».
فالمدرسة مطالبة بأن تجيب عن سؤالين معا: ماذا يعرف التلميذ؟ وأي شخصية تساعد على بنائها؟
أما التكوين المهني، فيقترح التعاقد تغيير فلسفة تمويله من تمويل المؤسسة إلى التركيز على المستفيد والنتيجة.
ومن هنا تأتي آلية «شيك التكوين»، التي تمنح المستفيد قدرة أكبر على اختيار المسار والمؤسسة المعتمدة، مع فتح مجال التكوين أمام جهات متعددة تستجيب لمعايير الجودة والاعتماد، وربط جزء من التمويل بنتائج الإدماج المهني.
وبذلك يصبح المبدأ: المال يتبع المتدرب، والتمويل يرتبط بالنتيجة.
ويتكامل ذلك مع إعادة تنظيم الوساطة في التشغيل ورقمنتها، بما في ذلك إعادة صياغة دور الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، من خلال منصة وطنية تقرب الباحثين عن العمل من المقاولات، وتربط التكوين بالمهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد.
فالغاية أن تلتقي داخل منظومة واحدة مؤسسة التكوين، والباحث عن العمل، والمقاولة التي تحتاج إلى الكفاءة، وأن تقل المسافة بين المهارة والفرصة.
ويخصص التعاقد برنامجا للشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين والعمل، تحت عنوان «فرصة ثانية»، انطلاقا من أن مغادرة المسار الدراسي أو التكويني لا ينبغي أن تعني الخروج النهائي من دائرة الفرص.
ويقترح تمكين هؤلاء الشباب من «شيك تكوين» لاختيار مسار مهني معتمد في المهن التي يحتاج إليها الاقتصاد، وربطهم رقميا بمراكز التكوين والمشغلين، وجعل نتائج الإدماج معيارا في تقييم واعتماد مراكز التكوين.
كما يقترح «مكافأة التشغيل الأول» لتحفيز المقاولات على منح المستفيد فرصة العمل الأولى، بما يجعل «فرصة ثانية» مسارا يبدأ بالتكوين واكتساب المهارة ويستهدف الوصول إلى الشغل والاستقلال الاقتصادي.
وعند جمع هذه الإجراءات تتضح فلسفة التعاقد: «مسيرة النور» تعيد الإنسان إلى المعرفة، والمدرسة تبني المعرفة والشخصية، والجامعة تفتح باب الارتقاء وتعترف بالخبرة، والتكوين يقود نحو سوق الشغل، والوساطة الرقمية تقرب الكفاءة من الفرصة، و«فرصة ثانية» تعيد إلى المسار من وجد نفسه خارجه.
ولهذا لا ينبغي أن يقاس الإصلاح فقط بعدد المؤسسات والميزانيات والدبلومات، بل بأثره المباشر في حياة الناس:
هل يتعلم الطفل فعلا؟ هل يجد الطالب فرصة عادلة للنجاح؟ هل نعترف بخبرة من راكم سنوات من العمل؟ هل يقرب التكوين صاحبه من الشغل؟ وهل يجد الشاب الموجود خارج التعليم والتكوين والعمل طريقا حقيقيا للعودة؟
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى مزيد من الشهادات، بل إلى مزيد من المعرفة والكفاءة والقدرة على المبادرة.
مدرسة تعلم وتبني الشخصية، جامعة تفتح الأبواب، وتكوين يقود إلى فرصة حقيقية.
في الحلقة الموالية: التعاقد الحركي والشباب والتشغيل… كيف نحول طاقة الشباب إلى فرص للعمل والمبادرة؟
*(عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية)































اترك تعليقاً