✍️ د.يوسف الغزيزال
         يُمكن قراءة المشهد الراهن للقضية الأمازيغية في ظل السياسات الحكومية الحالية كحالة من “الاستعصاء البنيوي” الذي تجاوز منطق التعثر العفوي إلى مربع الهدر الممنهج للزمن السياسي والفرص التاريخية. إن التحول من وعود “تفعيل الطابع الرسمي” إلى واقع “الفلكلرة المؤسساتية” يعكس فجوة عميقة بين الخطاب الانتخابي الذي استثمر في الوجدان الهوياتي وبين الممارسة التي اختزلت الأمازيغية في “بصريات جدارية” وعلامات تشويرية تفتقر للعمق السوسيولوجي والسياسي. هذا الانزياح نحو “أمازيغية الواجهة” أدى بالضرورة إلى إفراغ الوثيقة الدستورية من جوهرها، حيث استُبدلت الإرادة السياسية الحقيقية بإجراءات تقنية معزولة لا تلمس عصب الحياة اليومية للمواطن الأمازيغي، خاصة في مجالات حيوية كالتعليم والقضاء والإدارة.
ويتجلى هذا “الجمود السقيمي” بوضوح في القطاعات الاستراتيجية التي تشكل العمود الفقري للدولة، حيث لا تزال الأمازيغية تعاني من “إقصاء ناعم” يحرمها من الاندماج في الدورة الاقتصادية والمالية، ويحجزها داخل حصص تشغيلية هزيلة في قطاع التعليم وحده، وبصيغ قانونية تكرس الهشاشة المهنية كما هو الحال في قطاع العدل. إن الإصرار على تغييب الأمازيغية عن التعليم الأولي والثانوي، وإلغاء التخصص التربوي، يعكس استمرارية لسياسة “التبخيس البيداغوجي” التي ترهن مستقبل اللغة الأمازيغية وتجعل من شعارات التحديث مجرد أقنعة لواقع يرسخ هيمنة أحادية اللغة في الفضاء العام والإنتاج الثقافي والسينمائي، ويُبقي على الأمازيغية كعنصر “تأثيثي” للمهرجانات بدلاً من كونها رافعة لصناعة ثقافية وطنية متكاملة.
أما على المستوى السياسي، فقد كشفت المرحلة عما يمكن تسميته “بالاحتواء الافتراسي” للحركة الأمازيغية، حيث تم استقطاب النخب الفاعلة وتوظيفها لتوفير غطاء شرعي لمشروع سياسي يفتقر في الأصل لرؤية إدماجية شمولية. هذا “الاستلاب السياسي” لم يؤدِّ فقط إلى شلّ الفاعلية النضالية لقطاعات واسعة من الحركة، بل ساهم في خلق حالة من التشويه الممنهج لكل الأصوات النقدية التي حذرت مبكراً من فخ المقايضة بين “المنافع الحزبية” و”المطالب التاريخية”. إن تبخر الاعتمادات المالية الضخمة في مشاريع شكلية وقضايا جانبية يؤكد أن الخلل ليس مادياً بل هو خلل في “العقيدة التدبيرية” التي ترى في الأمازيغية عبئاً يتم التخلص منه عبر مساحيق التجميل الرقمية، لا حقاً وطنياً يستوجب إعادة هندسة بنية الدولة وقوانينها المالية والإدارية.
في نهاية المطاف، يكشف هذا المسار عن فرز حقيقي بين منطق “الولاء الحزبي” العابر الذي يقتات على المصلحة اللحظية وينتهي بالاستقالة أو الصمت، وبين “النضال الهوياتي” المتجذر الذي يمتلك نفساً طويلاً وقدرة على الصمود أمام محاولات التضييق في الأرزاق والتشهير بالمواقف. إن الطريق الذي رسمته الحركة الأمازيغية لا يزال مفتوحاً على تحديات كبرى، تتجاوز شكر أو عتاب الشخوص، لتسائل بنية الإرادة السياسية التي لا تزال تتردد في التصالح الحقيقي مع الذات المغربية المتعددة، مؤكدة أن “أمازيغية الإنسان” وحقوقه الثقافية والاجتماعية هي المحك الحقيقي لأي انتقال ديمقراطي ناجز، بعيداً عن أوهام “أغراس” التي تعثرت في أولى منعرجات الواقع.