الأستاذ الباحث والمؤرخ علي الإدريسي: معارضة مغرب ما بعد دستور 2011 “انتقادية” وليست “نقدية”

 أش بريس / أجرت الحوارـ صليحة بجراف

قال الأستاذ الباحث والمؤرخ علي الإدريسي، إن المعارضة أصبحت “مدجنة ” إلى حد كبير منذ تأليف حكومة التوافق.

وأضاف الباحث والمؤرخ المغربي، في حوار خص به “أش بريس” إن معارضة مغرب ما بعد دستور 2011 تفتقد إلى برامج جادة ومشاريع ذات مصداقية قابلة للتحقق على أرض الواقع.

  وتابع الإدريسي إن معارضة اليوم انتقادية وليست نقدية،  والفرق شاسع بين الانتقاد والنقد. فلو كانت لدينا معارضة البرامج بالبرامج لما استعان حزب معارض بالحيوانات الداجنة المسكينة لجلب اهتمام الشارع لاحتجاجاته، ولما قال زعيم “معارض” آخر” إذا كانت الحكومة حكومة صاحب الجلالة فالمعارضة أيضا معارضة صاحب الجلالة.

 وفي مايلي نص الحوار:

س/ كيف تقيم عمل المعارضة لمرحلة ما قبل دستور 2011 وما بعده؟

ج/المسألة لا تتعلق في نظري بالدستور بقدر ما تتعلق بثقافة المعارضة الحزبية في بلدنا، فالمعارضة أصبحت مدجنة إلى حد كبير منذ تأليف حكومة التوافق، التي ربما يكون المشاركون فيها قد أدركوا أنهم ضيعوا في السابق كثيرا من الامتيازات الممنوحة بسخاء، بسب مواقفهم الصوتية التي كانت تنشر في جرائدهم. وهي بالمناسبة جرائد لم تعد تقرأ اليوم. وكان إفلاسها محققا لو لم يتم إسعافها من قبل الإدارة العمومية والمؤسسات الوطنية بالإشهار واقتناء أعداد كثيرة منها دعما لاستمرارها في الحياة. وكمثال واحد على ذلك النسخ الكثيرة التي تقتنيها شركة الخطوط الجوية الملكية، لكي توزعها دون غيرها من الجرائد المستقلة، أو التي تصدرها أحزاب الأغلبية، ليشهد قراؤها أن البؤس لا تمثله شركة “لرام” وحدها، بل يشاركها الإعلام المغربي المعارض.

المعارضة اليوم في مغرب ما بعد دستور 2011 هي معارضة بدون برامج جادة ومشاريع ذات مصداقية قابلة للتحقق على أرض الواقع. أنها معارضة انتقادية وليست معارضة نقدية. والفرق شاسع بين الانتقاد والنقد. فلو كانت لدينا معارضة البرامج بالبرامج لما استعان حزب معارض بالحيوانات الداجنة المسكينة لجلب اهتمام الشارع لاحتجاجاته، ولما قال زعيم “معارض” آخر” إذا كانت الحكومة حكومة صاحب الجلالة فالمعارضة أيضا معارضة صاحب الجلالة .

وهناك أحزاب أخرى تمارس المعارضة من أجل المعارضة على طريقة الفن من أجل الفن. وقليل هي الشخصيات المعارضة التي تستطيع أن تتخطى عتبة الثقافة الحزبية في المغرب. ولذلك اعتقد جازما بأن موضوع المعارضة لا يتعلق بهذا الدستور أو بذاك، بقدر ما يتعلق بثقافة الأحزاب في بلدنا…

 س/ لكن المعارضة ترى أن الحكومة هي من يعرقل عملها وفق ماجاء به دستور 2011؟

ج /إذا هي مقتنعة بما تقول ما يمنعها من تقديم ملتمس الرقابة لإسقاط هذه الحكومة؟

 س/ وكيف تقيم حصيلتها خلال الثلاث سنوات الماضية؟

س/ الحصيلة يترجمها ملايين الشباب الذين عزفوا عن تسجيل أنفسهم في اللوائح الانتخابية، وعدم تجاوب جل أحزاب المعارضة مع الدعوة الموجهة إليها من أجل تصحيح اللوائح الانتخابية وتنقيتها من الذين توفاهم الله.

الحصيلة ليست مجرد كلام وأصوات متشنجة داخل قبة البرلمان، ولكنها إنجازات على أرض الواقع. والكثير من الملاحظين يسجلون إن الإنجاز الوحيد لأحزاب معارضة هو عرقلة مشاريع الإصلاح الجاد، وتأويل الدستور تأويلا غير ديمقراطي، بل يبدو أن هناك من من تفوق في ممارسة السمسرة لصالح الريع والفساد، محاولا إقناع الرأي العام المغربي بأنه يمارس المعارضة.

س/ إلى أي حد يصدق من ينعت دور المعارضة الحالية بمجرد” مسرحية” تعرض داخل قبة البرلمان؟

ج/ اعتقد أن الملك الراحل وصف ما كان يجري في البرلمان بين الحكومة في عهد وزيره القوي إدريس البصري وبين المعارضة بأنه أشبه بما يجري في السيرك. واليوم أعتقد بأن أقل ما يمكن أن توصف به الجلسات العامة العلنية هو أن تلك الجلسات تفتقد إلى الحد الأدنى من الحوار المتمدن الهادف إلى ترقية الأمة والوطن، بل هو أقرب إلى تهريج لجلب أكبر عدد ممكن من المتفرجين لغاية يدركها  المهرجون أنفسهم بلا شك. مثل لغة معارضين اليوم كمثل محامي فاشل وعاجز على إقناع القضاة بعدالة قضية موكله، فيلجأ إلى  رفع صوته أثناء المحاكمة لإقناع ذلك الموكل المسكين بأن العيب ليس في دفاعه الفاشل غير المتمكن من قواعد الدفاع المقنعة، بل في القاضي الذي يرأس المحاكمة.

أقول هذا وأقدم اعتذاري لكل معارض يعمل جاهدا وبإرادة هادفة إلى إحداث التغيير الذي يطمح إليه المغاربة من أجل مستقبل أبناء هذا الوطن. فأنا أميز بين الغث والسمين

س/ هل المفروض من المعارضة أن تأتي ببديل عندما تنتقد الحكومة؟

ج/المعارضة التي لا تمتلك بديلا سياسيا واقتصاديا ورؤية ثقافية اجتماعية جادة كمشروع واقعي أكثر إيجابية ونجاعة مما قدمته الأغلبية الحاكمة تكون أقرب إلى مجرد دكاكين تفتح في موسم الانتخابات ثم تنكمش على نفسها كما تنكمش القنافذ، حيث لا يبقى منها سوى أشواكها.

س/ في نظرك، ألم تقدم المعارضة شيئا خلال فترة الثلاث سنوات الماضية؟

ج/ بعض المعارضة قدمت الحمير في احتجاجاتها على الأغلبية، وقدمت اتهامات لرئيس الحكومة بأنه عميل للموساد، وأنه من أنصار داعش، وأنه يساند إخوان مصر “الإرهابيين” ضد السيسي. وذهب البعض الآخر إلى اتهام رأس الحكومة بالتآمر على حزبه المعارض، كما حاول البعض الآخر أن يتهم ابن كيران بأنه يهدف إلى الاستحواذ على الأجهزة الأمنية …الخ. وأقامت أحزاب المعارضة تنسيقا فيما بينها تحسبا للاستحقاقات المقبلة، وتنافست في اتهام الحكومة بأنها تبيع الكذب والأوهام للمغاربة. أليست هذه إنجازات تحسب للمعارضة؟.

و”تجاوبت” الحكومة مع “عمل” المعارضة ووصفتها بما يليق وبما لا يليق، عملا بقاعدة “الحكم على الشيء فرع من تصوره”، وتطبيقا لتقليد المعاملة بالمثل. وربح الشعب من وراء ذلك المزيد من العزوف عن الخوض في الشأن الحزبي بل والسياسي. مما سيعود بـ”الفائدة” الكبرى المنتظرة من الانتقال الديمقراطي.

مما لا شك فيه، ووفقا لمنطق التاريخ، أن الأحزاب مطلوب منها أن تتجدد، لكي تساير وتيرة التطور السياسي والاجتماعي لمجتمعها، وتعمل على تأطيره لمواجهة المستقبل، بل يجب عليها أن تكون قوة اقتراح لحلول ممكنة التحقق على أرض الواقع، وإن لم تفعل ذلك وجب عليها أن تتبدد، أو تتحول إلى مجرد بوق للمزايدات السياسوية والشعبوية في خدمة أجندات معينة.

س/ عبد الإله ابن كيران حذر المغاربة من بعض الناعقين في إشارة إلى المعارضة، كيف ترى هذا السلوك؟

ج/ أولا لغة تبادل الخطاب بين الأحزاب يحتاج إلى كثير من التهذيب في مفرداتها وفي حمولاتها. فكلام الشخص يدل على مخبره وليس على مظهره فحسب. والحكمة تقول: “المرء مخبوء تحت لسانه”. وما نعيشه من المقذوفات اللغوية المشحونة برصاص الاستهزاء والازدراء من قيادي هذا الحزب أو ذاك. وما نسمعه من لغو في وسائل اتصال المتعاملين الحزبيين في المغرب، سيجعلنا ندرك أن خطابنا الحزبي تحول إلى مجرد هدر.

إن للجدل السياسي آدابه، وأن للغة لغة الحوار قواعدها، وحتى للغة التعبير عن الأخطاء حسن اختيار الألفاظ. فالإنسان، أي إنسان، حين يستعمل معجما لغويا غير لائق، عليه أن يستعد لسماع معجم غير لائق هو كذلك، إنه الصعود نحو لغة السوقة.

س/ هل المعارضة تستدعي أن يحذر منها رئيس الحكومة؟

ج/ نحن هنا، وللأسف، أمام ظاهرة تسمى في القاموس الدبلوماسي التعامل بالمثل، وهو أمر متعارف عليه في بعض المجالات الدبلوماسية. لكن الترفع عن الإساءة سمو أخلاقي، ومنهج لتجاوز عثرات الآخرين في حقنا، قصد العفو عنهم وهو خير. أما من يتولى مهام عليا في الدولة فلا ينبغي أن تكون لغته لغة انفعالية، أو بعبارة أخرى لا يجب أن تكون لغته دون قامته الاعتبارية.

س/ كلمة أخيرة

ج/ أتمنى أن يتجدد المشهد الحزبي في وطني أو يتبدد، ليفسح الطريق لظهور أحزاب وقيادات تنتمي إلى هموم الشعب وطموحاته.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail