الغالي : عمل المجلس الاعلى للحسابات لم يتجاوز مرحلة تلقي التصاريح و إحصاء الملزمين
الغرامات المحكوم بها ضد المتابعين ضعيفة مقارنة بطبيعة الأضرار الفادحة و الجسيمة التي ألحقوها بالمال العام
أش بريس/ صليحة بجراف
قال الدكتور محمد الغالي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، إن التقرير السنوي 2011 للمجلس الأعلى للحسابات يمكن قراءته على مستويين، الأول يتعلق بأهمية التقرير من خلال نقط قوته و الثانية من حيث جوانب الضعف و القصور.
وأبرز أستاذ العلوم السياسية، في حديث لموقع ” أش بريس”، بخصوص قراءته لتقرير جطو، ملاحظاته على مستوى أهمية التقرير من حيث نقاط قوته، قائلا “مع دستور 2011 لم يعد يشكل التقرير في شكله و مضمونه غاية في حد ذاته، بل آلية لتنشيط و تعضيد العمل الرقابي للبرلمان الذي ينبغي عليه الآن الاستعداد لأول عرض سيلقيه الرئيس الأول للمجلس أمام البرلمان مما يفرض استثمار نتائج التدقيقات و الافتحاصات المضمنة في التقرير والاستعانة بخبرة المجلس وتوضيحاته للقيام بوظيفته الرقابية، من أجل مساءلة المسؤولين العموميين. و ذلك تماشيا مع الفقرة الأخيرة من الفصل 148 من الدستور التي تنص على أنه يُقدم الرئيس الأول للمجلس عرضا عن أعمال المجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان، ويكون متبوعا بمناقشة”.
وأضاف الغالي، أن عمل تقرير 2011 على تغطية مهمة لتدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية، من خلال الحرص على تتبع التوصيات كمنهجية معتمدة من طرف أجهزة المراقبة العليا على المستوى الدولي لقياس مستوى التفاعل مع توصياته التي يسعى من خلالها الى الرفع من مستوى تدبير الأجهزة العمومية وتحسين فعاليته ومردوديته ، مشيرا إلى أن هذا الأمر يتأكد سنة بعد أخرى حيث تجاوزت نسبة التنفيذ 50 في المائة ، مبرزا أهمية هذا الأمر بالنسبة لمآل التوصيات التي توجهها المحاكم المالية. قائلا إن عمل المجلس انصب على متابعة تنفيذ التوصيات التي رفعت سنة 2009 على 29 جهازا خضع للمراقبة و الهادفة الى تحسين الأداء المالي لها حيث من أصل 572 توصية تم تنفيذ 276 و 222 لازالت في طور التنفيذ و 74 توصية لم تنفذ بعد.
وذكر الغالي بأن تطور عمل المجلس من عمل كان يهتم بالرصد و التشخيص غير التفاعلي لوضعيات إدارة و تدبير الأموال العمومية، إلى التشخيص الدينامي و التفاعلي المرتبط بالتحقق من مطابقة النتائج المحققة على المستويات التقنية و المالية و البيئية و ذلك من أجل حكامة مالية تحقق الفعالية و النجاعة.
وبخصوص ملاحظات الغالي على مستوى جوانب الضعف و القصور في التقرير، أكد أستاذ العلوم السياسية، أن حصيلة عمل المحاكم المالية عرفت تراجعا من حيث الكم، موضحا أن عدد مهام المراقبة لم يتجاوز 78 مهمة سنة 2011 ، منها 54 مهمة تم إنجازها من طرف المجالس الجهوية للحسابات أي بنسبة 70 في المائة.
وأشار الغالي، إلى أن التقرير لم يخرج عن طابعه التقليدي الذي يتجسد في نشر ملخصات عن تقارير المراقبة التي أجرتها المحاكم المالية بالإضافة إلى بعض البيانات عن المهام التي يمارسها المجلس الأعلى، والمجالس الجهوية للحسابات، قائلا إن التقرير الذي يصدره المجلس لا يصل إلى مستوى العمل التركيبي الذي يعمل على الصياغة في إطار من الالتقائية و التنسيق و ليس التجميع و التصفيف الذي لا يتجاوز سقف الوصف.
و أبرز أستاذ العلوم السياسية، أن التقريرلم يقم بنشر جميع تقارير المراقبة من أجل تنزيل مضامين الفصل 148 من الدستور، الذي يلزم المجلس بنشر جميع أعماله سواء تعلق الأمر بتقارير
المراقبة أو المقررات القضائية. و بالتالي تفادي طريقة النشر التقليدية التي تحتوي على ملخصات لتقارير المراقبة، في الوقت الذي كان على المجلس أن يعطي مثالا يحتذى به في تفعيل مضامين الدستور في هذا الباب حتى يتم الاطلاع على جميع أعماله و مختلف التقارير بمجرد اكتسابها للطابع النهائي مع الحرص على أن يتضمن التقرير السنوي فقط، طبقا للأحكلم الدستورية الجديدة، بعض الأرقام والبيانات التي تعطي صورة عن أداء المجلس.
وقال الغالي إنه بالرغم من الارتفاع الطفيف في عدد المتابعات القضائية والأشخاص المتابعين وعدد الأحكام والقرارات القضائية الصادرة، فإن الغرامات المحكوم بها ضد الأشخاص المتابعين
ظلت ضعيفة حيث لم تتجاوز مبلغ 65000 درهم مقارنة بطبيعة الأضرار الفادحة و الجسيمة التي ألحقوها بالمال العام في مختلف أنواعه فيما يتعلق بالقضايا الرائجة أمام المجلس الأعلى.
كما لم يتجاوز مجموع الغرامات المحكوم بها من طرف المجالس الجهوية مبلغ 107400 درهم ، و لم تتعدى المبالغ الواجب ارجاعها 168630 درهم، وهي مبالغ متواضعة جدا لا ترقى حتى إلى مستوى التكاليف التي تتحملها ميزانية الدولة من جراء إحداث المجلس الأعلى للحسابات و المجالس الجهوية للحسابات، مما يعني أن عامل الجدوائية ضعيف جدا.
و تساءل أستاذالعلوم السياسية، عن فائدة إحداث هيئة قضائية مالية غير قادرة حتى على تأمين مصاريفها على مستوى حساب الوقت والموارد المادية والبشرية التي تكلفها عمليات التدقيق و المتابعة والتحقيق. وهل عمل المجلس لا يتوخى النجاعة على اعتبار عدم تحقق عامل التناسب بين الامكانات و الوسائل المسخرة في قيام المجلس بأنشطته في المراقبة و الافتحاص والنتائج المحققة؟.
وانتقد الغالي، المجلس الأعلى للحسابات الذي لا يفصح عن الميزانية التي يصرفها من أجل أداء عمله حتى يعطي هو نفسه المثال في هذا الباب و حتى يتمكن المتتبعون من قياس النتائج التي يتوصل إليها، قائلاإن المقصود بنشر التقريرعن أنشطة المجلس هو تقديم الحساب من طرف هذه المؤسسة عن الأنشطة التي تقوم بها للجهات المعنية حتى يكون الكل معرض للحساب والمساءلة بمن فيهم المجلس، وهو عين الحكامة و حكم القانون و الشفافية و النزاهة.
كما انتقد أيضا استاذ العلوم السياسية ، أداء عمل و أنشطة المجلس، معتبرا 328 قاضيا و 198 إطارا و عونا ، رقما ضعيفا عدديا يطرح أكثر من تساؤل على قدرة هذا العدد من الموارد البشرية من مراقبة وافتحاص كل مؤسسة أو منظمة عامة أو خاصة تستفيد من دعم عمومي، مضيفا أن تقارير المجلس السابقة و التقرير الحالي يكشفان الضعف الكبير على مستوى إدارة الموارد البشرية كعامل أساسي لمحصلة سوء التدبير نتيجة التوزيع العشوائي و عدم احترام و اعتبار عوامل تكافؤ الفرص و الكفاءة و الاستحقاق في هندسة خريطة الموارد البشرية، فضلا عن أن المجلس يعاني بدوره من قصور كبير في هذا الباب على اعتبار أنه في الآونة الأخيرة، قام بتعيينات جديدة و إعادة انتشار المسؤولين، دون القدرة على التحرر من الطرق التقليدية التي أصبحت متجاوزة في سياق الدستور الجديد، عبر فتح باب الترشيح أمام الجميع لشغل المناصب العليا بالمجلس والمجالس الجهوية للحسابات على اعتبار أنها مناصب عليا، وهذه السلوكيات من شأنها أن تمس سلبيا الوضع الاعتباري للمجلس كمؤسسة دستورية سامية و باعتبارها هيئة عليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، و قائمة على تحقيق مبادئ الحكامة.
وخلص الغالي إلى التأكيد أنه بالرغم من مرور أربع سنوات من إقرار القوانين الجديدة المتعلقة بالتصريح الاجباري بالممتلكات، لازال عمل المجلس بعد لم يتجاوز مرحلة تلقي التصاريح وإحصاء الملزمين في حين كان عليه أن يصل الى مرحلة فحص هذه التصاريح للتحقق منها كمدخل أساسي و استراتيجي لحماية المال العام.


































