قانون المالية 2027..واش المغاربة غادي ياكلو الأرقام ولا يطيبو بالشعارات؟! آ السي لقجع، راه الدلاح عوج، والكرعة تحزمات بالفكوس وجيب الدرويش أعلن الإفلاس!
✍️ صليحة بجراف
يبدو أن السوق المغربي قرر أخيرا أن يتحول إلى بورصة مفتوحة، وأن الخضر والمواد الغذائية دخلت بدورها نادي الاستثمار، لكن باستثمار وحيد مضمونه جيوب المواطنين! فالماطيشة بسبعة عشرة دراهم، والجزر بعشرة دراهم، والبطاطس بعشرة دراهم، أما الكرعة فقد بلغت خمسة عشر درهما..
يا سلام! حتى الكرعة التي كانت تنقذ الطاجين من فراغه قررت أن تخلع عنها ثوب التواضع وتدخل عالم الكبار، لم يعد اقتناؤها مجرد عملية تسوق، بل أصبح يستدعي اجتماعا عائليا وربما موافقة مسبقة من وزارة المالية، فهل سنصل إلى مرحلة نحتاج فيها إلى قرض بنكي لشراء خضر الطاجين، أم أن الكوكوط نفسها ستصبح رهينة لدى مؤسسة التمويل؟.
أما اللحم، فقد أصبح من أخبار الماضي الجميل، والدجاج الذي كان يمثل طوق النجاة للأسر محدودة الدخل لم يعد ذلك البديل المتاح، وحتى العدس واللوبيا والحمص، التي كانت ملاذ الفقراء، قررت أن تراجع وضعها الإجتماعي وتطالب بالترقية إلى خانة المواد الفاخرة، يبدو أن الفقر وحده هو الذي لم يستفد من أي زيادة، بينما الأسعار حصلت على ترقيات متتالية دون مباراة ولا أقدمية.
يا لها من مفارقة عجيبة.. كان الفقير ينتقل من اللحم إلى الدجاج، ومن الدجاج إلى القطاني، ثم إلى البطاطس والبيض، وكلما ضاقت به الحال وجد شيئا يسد به رمق أسرته.
أما اليوم، فقد أصبحت هذه الخيارات جميعها تحتاج إلى ميزانية، وربما إلى قرض استهلاكي، لم يعد السؤال داخل الأسرة، ماذا سنطبخ اليوم؟ بل أصبح، ماذا تسمح لنا الميزانية أن نطبخ؟ وربما حان الوقت لإحداث منصب جديد داخل كل بيت مغربي تحت مسمى «وزير تدبير الطاجين»، يتولى توزيع الاعتمادات وتحديد الأولويات، حتى لا تقع أزمة حكومية بسبب شراء كيلوغرام من العدس.
لقد أصبح دخول السوق أشبه بالدخول إلى قاعة للمزادات، تسأل عن الثمن فتتسع عيناك، ثم تعيد السلعة إلى مكانها بكل احترام، وكأنك تعتذر لها عن عدم قدرتك على اقتنائها، بعض المواطنين لم يعودوا يحتاجون إلى آلة حاسبة لمعرفة ما تبقى من أموالهم، فقد أصبحت الأسعار نفسها تتكفل بإخبارهم بأن ميزانيتهم انتهت قبل أن تبدأ الجولة الثانية من التسوق.
ولعل المثل الشعبي المغربي: «العيب في الدلاح إلى خرج عوج، أما الفكوس فحالتو حالة» لم يعد مجرد نكتة يتبادلها رواد الأسواق، بل أصبح عنوانا ساخرا لواقع اقتصادي يبدو أن الإعوجاج فيه لم يعد مقتصرا على الخضر والفواكه، فالدلاح قد يخرج معوجا، والفكوس قد تكون حالته حالة، لكن من المسؤول عن اعوجاج القدرة الشرائية؟ ومن يفسر لنا هذه المسرحية الإقتصادية التي يشتكي فيها الفلاح من ضعف الأرباح، ويئن فيها المستهلك تحت وطأة الأسعار، بينما تظل حلقات الوساطة والتوزيع لغزا لا يريد أحد فك شفرته.
يبدو أن السوق يحتاج إلى ميزان جديد لوزن المسؤوليات، لا لوزن الخضر فقط، أما جيب المواطن فقد تجاوز مرحلة العجز ودخل مرحلة الإفلاس المعلن، ولم يبق أمامه سوى انتظار بلاغ حكومي يطمئنه بأن وضعيته المالية مستقرة، رغم أن محفظته أعلنت حالة الطوارئ منذ مدة، فياليت إعوجاج الدلاح يصلح بالتقويم، أما إعوجاج المعيشة فمن سيملك شجاعة إصلاحه؟.
وبينما تقدم لنا الخطابات الرسمية وصفات جاهزة عن النمو والاستثمار والتوازنات المالية، يقدم الواقع للمواطن وصفة أخرى عنوانها، إحذف اللحم، قلص الخضر، أجل شراء الفاكهة، واكتف بما تبقى، إنها سياسة تقشف منزلية لم يصادق عليها البرلمان، لكنها تطبق يوميا داخل ملايين الأسر، فالكراء لا ينتظر، والفواتير لا تقبل الأعذار.. ومصاريف الدراسة والعلاج لا تدخل في خانة الكماليات، وحده المواطن مطالب بأن يتكيف مع كل شيء، وكأن مهمته الوطنية أصبحت إنقاذ ميزانية الأسرة من انهيار وشيك، بينما أجره ظل حبيس مكانه، يتفرج على الأسعار وهي تحلق في السماء دون أن يجرؤ حتى على محاولة اللحاق بها، فالأسعار تتسابق نحو الأعلى، والراتب اختار البقاء في مقاعد المتفرجين، وكأن الزيادات لا تعنيه، أو كأنه ينتظر بدوره صدور قانون مالية يسمح له بالحركة.
وهنا تكمن المفارقة الساخرة، كل شيء يرتفع إلا الأجر، الذي لا يكاد يصل إلى جيب صاحبه حتى يطير في يومه الأول، تاركا وراءه فواتير معلقة وقائمة مشتريات لم تجد طريقها إلى سلة التسوق، فالأسعار لا تنتظر نهاية الشهر لترتفع، والراتب لا ينتظر نهاية الشهر لينفد،وحده المواطن مطالب بأن يعيش بقية الأيام بالبركة وحسن التدبير.
وهنا يحق لنا أن نسائل رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، «بنت الصالحين»، ووزير الأرقام والميزانيات فوزي لقجع، هل تصل إلى مراكز القرار حقيقة ما يجري في الأسواق الشعبية؟ وهل تعلم الحكومة أن المواطن أصبح يدرس ثمن البطاطس كما يدرس المستثمر مؤشرات البورصة؟ وأين وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع من هذه المفارقة بين الأرقام التي تعرض في التقارير والحسابات التي يواجهها رب الأسرة فوق طاولة المطبخ؟ وماذا يحمل مشروع قانون المالية لسنة 2027؟ هل يحمل حلولا حقيقية، أم سيقدم لنا مرة أخرى أرقاما سمينة في وثيقة أنيقة، بينما تظل موائد المغاربة في حاجة إلى من يسمنها؟.
لانريد ميزانية تتفنن في تلميع المؤشرات وتجميل الأرقام، بينما يترك المواطن يتفنن في حذف المشتريات وتقليص كميات الطعام على مائدة أسرته، حتى لا يعلن جيبه إفلاسه قبل منتصف الشهر، ولا نريد أن تتحول مواجهة الغلاء إلى واجب منزلي يطلب من المستهلك تدبيره بالصبر والتقشف وحسن التدبير، وكأن مهمته الوحيدة هي التكيف مع الأسعار مهما حلقت.. المطلوب مراقبة حقيقية للأسواق، ومحاربة المضاربة والاحتكار والفراقشية، ووضع حد لاختلالات مسالك التوزيع.. فمن العبث أن يشتكي الفلاح من ضعف هامش الربح، ويئن المستهلك تحت نار الأسعار، بينما تتسع الهوة بين ما يحصل عليه المنتج وما يؤديه المواطن، وهنا يظل السؤال المحرج قائما، إذا كان الفلاح لا يربح كما ينبغي، والمواطن لم يعد قادرا على الشراء كما كان، فمن الذي يخرج منتصرا من هذه المسرحية؟ أم أن هناك من يقتات على المسافة بين الحقل وقفة المواطن، ويترك للفلاح والمستهلك تبادل الشكاوى، بينما يتكفل الدرويش وحده بأداء الفاتورة كاملة.
والأكثر إثارة للقلق أن شهر رمضان لم يعد يفصلنا عنه سوى أشهر قليلة، فماذا سيحدث عندما ترتفع وتيرة الطلب وتتضاعف المصاريف؟ هل ستصوم الأسعار معنا، أم ستعتبر رمضان موسما إضافيا لتحقيق الأرقام القياسية؟ وهل سنحتاج إلى إعداد دراسة جدوى قبل اقتناء مستلزمات الحريرة والشباكية؟ أم أن الحكومة ستنتظر حلول الشهر الكريم لتبدأ حفلة التصريحات والتطمينات، بينما يكون المواطن قد بدأ بالفعل في حذف بعض مكونات مائدته.
إن قانون المالية 2027، أمام امتحان لا يمكن تجاوزه بالبلاغات ولا بالشعارات، فنجاحه لن يكون في عدد الصفحات ولا في أناقة الجداول، وإنما في قدرته على تخفيف العبء عن الأسر، وتحسين دخلها، وضمان وصول ثمار النمو إلى الحياة اليومية، فالمواطن لا يطلب امتيازات استثنائية، ولا ينتظر أن يتحول إلى مليونير، بل يريد أن يشتري حاجياته دون أن يشعر بأنه ارتكب مغامرة مالية.
فيا «حكومة المنصوري» ويا «وزيرالأرقام والميزانيات فوزي لقجع»، كفى من مطالبة الدرويش بالصبر، فقد أصبح خبيرا في التقشف ومحاسبا في التسوق، ولم يبق إلا أن تمنحوه دبلوما في فن تدبير الجوع..
فالدلاح عوج، والفكوس حالتو حالة، والكرعة أصبحت من أصحاب الامتيازات، أما الراتب فيزور الجيب صباحا ويغادره قبل المساء.. فهل سيأتي قانون المالية 2027 لينقذ ما تبقى من القدرة الشرائية، أم سنحتاج في رمضان المقبل إلى قرض بنكي لتمويل الحريرة والشباكية؟.
ارحموا جيوب المغاربة الدراويش، يرحمكم الله، فقد بلغت من التقشف ما لم تبلغه حتى ميزانياتكم من التوازن! ولم يعد ينقص المواطن سوى أن يستدين ليحتفل بنجاحه في تدبير الفقر، بعدما أصبح تدبير لقمة العيش أصعب من تدبير ميزانية الدولة.
































اترك تعليقاً