الوعود الانتخابية أمام اختبار التصريح الحكومي: أين اختفت الأرقام والضمانات والآجال؟
خنيفرة / محمد مرادي
أثار التصريح الحكومي للفترة 2026–2031 نقاشًا حول مدى تطابق الوعود الانتخابية التي قدمتها مكونات الأغلبية خلال استحقاقات 23 شتنبر 2026 مع الالتزامات المعلنة أمام البرلمان. وبين شعار «تغيير المسار» الذي رفعه حزب الأصالة والمعاصرة وخطاب الاستمرارية الذي طبع التصريح الحكومي، يبرز سؤال أساسي: هل تحولت الوعود الانتخابية، المحددة بالأرقام والآجال، إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم والمحاسبة، أم أصبحت أهدافًا عامة تخضع لاعتبارات التدرج والإمكانات المالية؟
القدرة الشرائية: تراجع في دقة الالتزامات
كشف ملف القدرة الشرائية عن تفاوت واضح بين البرنامج الانتخابي والتصريح الحكومي. فقد وعد البرنامج بتغطية فاتورة الكهرباء في حدود 100 درهم شهريًا، وتثبيت الدعم الاجتماعي المباشر في 1000 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، وإعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية.
غير أن التصريح تحدث عن تعويض اجتماعي تلقائي للأسر المستحقة للكهرباء دون تحديد موعد للتطبيق، وعن رفع الدعم الاجتماعي من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية سنة 2031، بدل اعتماده حدًا أدنى منذ البداية. كما استُبدل الالتزام برفع المعاشات إلى مبلغ محدد بوعد تدريجي غير مؤطر بجدول زمني، وحل هدف بلوغ أسعار «معقولة» عبر تحسين التموين وإصلاح التوزيع محل الوعد السابق، دون مؤشرات رقمية. وتطرح هذه التحولات سؤالًا حول ما إذا كانت تعكس مرونة في التنفيذ أم تراجعًا في مستوى الالتزام.
التشغيل والشباب: تحديات كبيرة وأهداف غير محسومة
وعد البرنامج الانتخابي بإحداث مليون منصب شغل صاف على الأقل، وخفض البطالة إلى 7 في المائة بحلول 2031، إلا أن التصريح لم يتبنَّ هذين الهدفين بالوضوح نفسه، رغم إقراره بوجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة خارج التعليم والتكوين والشغل، وبلوغ البطالة 29.2 في المائة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة.
واقترح البرنامج آليات لإدماج الشباب، من بينها «مسار إدماج»، ومنصة وطنية موحدة، وعقد الإدماج، و«أول عقد شغل»، وصندوق لضمان كراء السكن وجواز للحركية المهنية. أما التصريح فتضمن برنامجًا وطنيًا ينطلق سنة 2027 لتكوين 100 ألف شاب سنويًا وتمكين نحو 10 آلاف من أول تجربة مهنية. ورغم أهمية هذه التدابير، فإن أثرها يظل محل تساؤل أمام ضخامة التحديات، خصوصًا مع مغادرة نحو 300 ألف تلميذ المدرسة سنويًا دون تأهيل. كما أن غياب صندوق ضمان كراء سكن الشباب يثير الغموض بشأن مصير إحدى الآليات المقترحة لتيسير استقلالهم الاقتصادي والاجتماعي.
الصحة والتعليم: غياب التفاصيل التنفيذية
في الصحة، تعهد البرنامج بإنجاز أربعة مستشفيات جامعية جهوية قبل نهاية 2028، بينما اكتفى التصريح بالحديث عن سد الخصاص الترابي وتحسين تنافسية المستشفى العمومي، دون تأكيد العدد أو الأجل. ويحد هذا الغموض من إمكانية تتبع الإنجاز ومحاسبة المسؤولين.
وفي التعليم، شملت الوعود تعميم التعليم الأولي ابتداء من أربع سنوات، وتعميم النقل المدرسي في العالم القروي، وإعادة هيكلة التعليم العالي ضمن ثلاث مجمعات. لكن التصريح ركز على أهداف عامة، أبرزها تمكين 80 في المائة على الأقل من التلاميذ من التحكم في التعلمات الأساسية بحلول 2031، وتحقيق «صفر انقطاع عن الدراسة» سنة 2030. وهي أهداف مهمة، لكنها تحتاج إلى إجراءات واضحة وموارد بشرية ومالية ومؤشرات دقيقة لقياس التقدم. فنجاح إصلاح القطاعين يظل مرتبطًا بتحسين الخدمات وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
السكن والجبايات: التزامات تنتظر التوضيح
استهدف البرنامج الانتخابي تمكين 500 ألف أسرة من السكن اللائق، بينما ركز التصريح على برنامج للسكن القروي يشمل 100 ألف مسكن، دون توضيح كافٍ لمصير الهدف الأوسع. وفي المجال الجبائي، اقترح البرنامج إصلاح الضريبة على الدخل عبر ثلاثة أشطر بمعدلات 0 و10 و20 في المائة، في حين تحدثت ابنة الصالحين عن إصلاح تدريجي دون تحديد المعدلات أو الآجال. ويجعل غياب هذه التفاصيل أثر الإصلاح على دخل الأجراء والأسر غير محسوم إلى حين صدور الإجراءات القانونية والمالية.
النمو والتمويل: ضرورة التوفيق بين الطموح والتوازنات
يتبنى التصريح أهدافًا اقتصادية تشمل نموًا سنويًا بنسبة 5 في المائة، وتضخمًا في حدود 2 في المائة، وعجزًا لا يتجاوز 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وتقليص المديونية إلى نحو 62 في المائة بحلول 2031.
غير أن تحقيق هذه الأهداف بالتوازي مع توسيع الدعم الاجتماعي، ورفع المعاشات، وتعويض الأسر عن الكهرباء، وإصلاح الضرائب، وتمويل الصحة والسكن والتشغيل، يطرح سؤال الموارد المتاحة. كما أن الانتقال من نمو بلغ نحو 3.7 ℅ خلال 2022–2025 إلى 5 ℅ سنويًا يتطلب توضيح محركات الاستثمار والإصلاحات الهيكلية والبدائل الممكنة عند عدم تحقق الفرضيات. فمصداقية الطموح الاجتماعي تقتضي تصورًا واضحًا للتمويل يضمن استدامة المالية العمومية.
إضافات حكومية ورهان المحاسبة
من الإنصاف الإقرار بأن التصريح تضمن تدابير إضافية، منها إحداث صندوق بقيمة ملياري درهم، وتشكيل لجنة وزارية دائمة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ومنح الأرملة معاشًا كاملًا، واعتماد سنة 2030 أفقًا لتحقيق «صفر انقطاع عن الدراسة». لكن ذلك لا يعفي الحكومة من توضيح مصير الوعود التي استندت إليها في استمالة الناخبين، ولا يجعل الواقعية المالية مبررًا لإضعاف قابليتها للقياس والتقييم.
وخلاصة القول، إن الفرق بين البرنامج الانتخابي والتصريح الحكومي يكشف تراجعًا في مستوى التفصيل والوضوح بشأن عدد من الالتزامات. وستشكل قوانين المالية المقبلة والبرامج القطاعية والتقارير الحكومية المحك الحقيقي لمدى الوفاء بها، خصوصًا في القدرة الشرائية والمعاشات والتشغيل والسكن والإصلاح الضريبي والتعليم والصحة.


































