التعاقد الحركي والإعاقة: من الحماية إلى التمكين

*✍️زهير أصدور

قراءة في التعاقد الحركي – الحلقة الثالثة عشرة من 14

زهير أصدور
عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية

حين نتحدث عن الأشخاص في وضعية إعاقة، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ما الذي تخصصه الدولة لهم من برامج ومساعدات، بل ما إذا كانوا يستطيعون ممارسة حقوقهم مثل باقي المواطنين: هل يجد الطفل مكانه في المدرسة؟ هل يصل المريض إلى العلاج والتأهيل؟ هل يستطيع الشاب أن يتكون ويشتغل ويؤسس مشروعا؟ وهل تكون الإدارة والنقل والخدمات متاحة له دون أن تتحول الإعاقة إلى حاجز إضافي أمام كل حق؟

من هذا المنطلق، يقترح «التعاقد الحركي» الانتقال من منطق الحماية وحدها إلى منطق التمكين.

والفرق بين المفهومين جوهري. فالحماية تعني تقديم الدعم عند الحاجة، أما التمكين فيعني أن يصبح الشخص قادرا على الوصول إلى حقوقه، والاعتماد على نفسه، والمشاركة في المجتمع والاقتصاد والحياة العامة دون أن يبقى رهينا للمساعدة أو لظروف أسرته.

ويبدأ هذا الانتقال من التفعيل الكامل لبطاقة الشخص في وضعية إعاقة.
فقيمة البطاقة لا تكمن في كونها وثيقة تثبت وضعا معينا، وإنما في الحقوق التي تفتحها أمام حاملها. ولذلك يربط التعاقد الحركي تفعيلها بالولوج الفعلي إلى التعليم والصحة والتأهيل والحماية الاجتماعية والاستفادة من مختلف الخدمات والتسهيلات المرتبطة بها.

وهنا يصبح المعيار بسيطا: ماذا سيستفيد المواطن فعليا عندما يقدم هذه البطاقة؟
إذا ظلت مجرد وثيقة إدارية، فلن يتغير الكثير. أما إذا تحولت إلى مدخل موحد للحقوق والخدمات، فإنها يمكن أن تختصر مساطر متعددة وتخفف العبء الإداري والمالي الذي تتحمله أسر كثيرة في البحث عن كل خدمة على حدة.

لكن التمكين لا يكتمل بالخدمات الاجتماعية وحدها. فالاستقلال الحقيقي يبدأ عندما تتوفر للشخص في وضعية إعاقة إمكانية التعلم والتكوين ثم الدخول إلى سوق الشغل أو إنشاء مشروعه الخاص.

ولهذا يضع «التعاقد الحركي» ضمن هذا المحور برامج للتكوين والتشغيل وريادة الأعمال، مع تحفيز القطاعين العام والخاص على توسيع فرص التشغيل الدامج.
وهذه نقطة أساسية، لأن السياسة العمومية في مجال الإعاقة لا ينبغي أن تختزل الشخص في كونه مستفيدا من الدعم.

فقد يكون طالبا أو مهندسا أو حرفيا أو مقاولا أو موظفا أو صاحب فكرة مشروع، وقد تكون العقبة الحقيقية أمامه ليست الإعاقة نفسها، وإنما غياب التكوين الملائم، أو صعوبة الولوج إلى سوق الشغل، أو عدم تهيئة بيئة العمل، أو تعذر الوصول إلى التمويل.

وهنا يتغير المنظور: من دعم الشخص بسبب إعاقته إلى تمكينه لأن لديه قدرات يمكن أن تنتج وتبدع وتساهم في الاقتصاد والمجتمع.
ويضع «التعاقد الحركي» كذلك الولوج الشامل وعدم التمييز ضمن عناصر هذا الانتقال.

فالحق في التعليم يفقد جزءا من معناه إذا تعذر دخول المؤسسة التعليمية، والحق في الشغل يبقى منقوصا إذا لم يكن مكان العمل مهيأ، والخدمة العمومية لا تكون متاحة للجميع إذا كان جزء من المواطنين عاجزا عن الوصول إليها أو استعمالها.

والولوج هنا لا يعني فقط توفير ممر داخل بناية. إنه يشمل النقل والسكن والقضاء والرقمنة والانتخابات والمرافق والخدمات العامة، أي كل فضاء يفترض أن يمارس داخله المواطن حقوقه بصورة مستقلة وعلى قدم المساواة مع غيره.

ويولي التعاقد الحركي عناية خاصة كذلك باضطراب طيف التوحد وأسر الأشخاص المعنيين به، لأن التحدي في هذا المجال لا يتعلق بالشخص وحده، بل يشمل الأسرة وما تتحمله من أعباء يومية في التشخيص والعلاج والتأهيل والتمدرس والمواكبة.

ومن هنا تأتي أهمية توفير مواكبة أكثر انتظاما، وتحسين التأهيل والخدمات، وبناء سياسة عمومية تستند إلى معطيات دقيقة حول أعداد الأشخاص المعنيين واحتياجاتهم ومناطق وجودهم.

فلا يمكن بناء سياسة ناجعة في مجال التوحد أو الإعاقة عموما إذا لم تكن الدولة تعرف بدقة من هم المستفيدون، وما الذي يحتاجونه، وأين توجد الفجوات في الخدمات.

ومن خلال هذه الإجراءات، يمكن قراءة هذا المحور باعتباره محاولة لإخراج ملف الإعاقة من دائرة السياسة الاجتماعية الضيقة، وجعله حاضرا في التعليم والصحة والتشغيل والنقل والسكن والقضاء والرقمنة والانتخابات وباقي السياسات العمومية.

وهنا يوجد التحدي الحقيقي. فنجاح هذه المقاربة لن يقاس بعدد البطاقات التي ستصدر، ولا بعدد البرامج التي سيعلن عنها، وإنما بما إذا كان الشخص في وضعية إعاقة سيشعر فعليا بأن حاجزا ما قد أزيل من طريقه: مدرسة أصبحت قابلة للولوج، علاج أصبح متاحا، فرصة شغل فتحت أمامه، مشروع وجد التمويل، أو خدمة عمومية أصبح قادرا على الوصول إليها باستقلال.

لأن نجاح السياسة في مجال الإعاقة لا يقاس بما تمنحه للشخص فقط، بل بما تزيله من حواجز أمام استقلاله واندماجه الكامل في المجتمع.
وهذا هو المعنى العملي للانتقال من الحماية إلى التمكين.

في الحلقة الرابعة عشرة والأخيرة، ننتقل إلى محور «سياسة منصفة لمغاربة العالم»، لقراءة مقترحات تخفيف كلفة العودة، وتبسيط المواكبة الإدارية والاستثمارية، وإصلاح مؤسسات الجالية، وتوسيع المشاركة السياسية، والاستفادة من كفاءات مغاربة الخارج في التنمية والمؤسسات.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code