محمد أوزين.. من وجع المحنة إلى قمة الرهان: هل تفتح صناديق الاقتراع الطريق لزعيم «السنبلة» نحو رئاسة الحكومة؟
✍️صليحة بجراف
..ابن الشعب الذي صقلته المحنة وأبقت «الكبدة على المغاربة» حاضرة في قلب خطابه
«ما حاس بالجمرة غير اللي عافس عليها»… مثل مغربي بسيط، ولكن المعنى ديالو كبير، اللي داز من الوجع، ماكيبقاش كيشوف وجع الآخرين من بعيد، واللي عاش المحنة، كيولي أكثر إحساسا بآلام الناس، وأكثر قدرة على فهم أولئك الذين يكافحون في صمت (..) ولعل هذا المعنى يلامس جانبا كبيرا من شخصية محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية.

كصحفية، عايشت محمد أوزين من داخل حزب «السنبلة»، لم تكن معرفتي به مجرد متابعة لخطاباته، أو رصد لمواقفه، أو قراءة لمساره من بعيد.
لقد عايشت الرجل في مراحل مختلفة من تجربته السياسية؛ رأيت حماس البدايات، وقوة الصعود، وحضورا كان يزداد اتساعا، كما عايشت معه الوجه الآخر للسياسة حين تبدلت الظروف، وانقلب المشهد، وجد نفسه أمام واحد من أقسى الامتحانات التي يمكن أن يواجهها سياسي في مساره.
لم تكن تلك مجرد محطة عابرة، كانت محنة حقيقية وضعت شخصيته السياسية والإنسانية أمام امتحان قاس، هل ينسحب أم يواجه؟ هل يتخلى عن المشهد أم يعيد بناء نفسه ويعود؟.

كانت مرحلة ثقيلة، خصوصا على رجل كان في الواجهة، ثم وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة سياسية وإعلامية كبيرة (..)، لكن محمد أوزين، لم يهرب.
وهنا بالضبط، تبدأ الحكاية التي تهمني أكثر، كصحفية عاشت جزءا من هذا المسار من الداخل. لأن السياسة ما كتربيش الإنسان غير فاش كيربح؛ بل في مرات كثيرة، كتربيه أكثر فاش كيخسر، فاش كيتسد الباب، وفاش كيزيد الضغط، وفاش كيولي خاص الإنسان يجمع راسو ويوقف من جديد قدام الناس(..)أوزين عاش هاد التجربة.
عرف الصعود، وعاش المحنة، وذاق مرارة لحظة سياسية ما كانتش سهلة (..) لكنه ما خلاهاش تكون آخر فصل في مساره، رجع إلى الميدان، وواصل حضوره داخل الحركة الشعبية، إلى أن انتخب أمينا عاما للحزب سنة 2022.

ومنذ تلك السنوات إلى اليوم، وأنا أتابع محمد أوزين وأعايش مساره عن قرب، أجد أمامي رجلا لم يعد هو السياسي نفسه الذي عرفته في البدايات، فقد تركت التجربة بصمتها العميقة في شخصيته، وغيرت كثيرا من نظرته إلى السياسة وإلى المسؤولية وإلى الناس. أصبح أكثر نضجا وحنكة، وأكثر قدرة على قراءة التحولات وموازين المشهد، من دون أن يفقد جرأته أو عفويته أو ذلك القرب الإنساني الذي ظل يميز حضوره (..) فالتجربة بدلات فيه بزاف ديال الحوايج، عطاتو الحنكة، ولكن ما قتلاتش فيه الجرأة، علماتو الحذر، ولكن ما خلاتوش يخاف من المواجهة، وعلماتو قبل كل شيء أن السياسة ماشي غير مناصب وكراسي، وإنما ناس، ووجع، ومسؤولية، وربما لهذا السبب بالذات، كانت لحظة البكاء عند محمد أوزين أقوى من بزاف ديال الخطب.

في واحد اللقاء أمام الحاضرين، وهو كيهضر عن الفئات الفقيرة، وعن أبناء الشعب الكادح، وعن المغرب المنسي والمناطق الجبلية، غلباتو الدموع. بالنسبة لي، وأنا التي عشت معه محطات داخل الحزب، ما كانتش تلك اللحظة مجرد صورة عابرة أمام الكاميرات، كانت لحظة سقط فيها الحاجز بين السياسي والإنسان، الرجل اللي كيعرف كيفاش يواجه، وكيفاش يجادل، وكيفاش يرفع سقف الخطاب، ما قدرش في تلك اللحظة يخبي إحساسه، وهنا كنرجعو مرة أخرى للمثل: «ما حاس بالجمرة غير اللي عافس عليها».
فاللي عاش المحنة، كيولي أقرب لفهم المحنة. واللي ذاق مرارة الوجع، كيقدر يفهم أكثر شنو معنى أن يكون الإنسان يتألم وهو كيكافح باش يبقى واقفا (..) ولهذا، يمكن قراءة دموع محمد أوزين من زاوية أخرى، سياسي لم يفقد الإنسان الذي بداخله.
بكى وهو يتحدث عن الناس، عن الفقراء، عن أبناء الجبل الكادحين، عن أولئك الذين ينحدر منهم ويعرف بيئتهم، وعن أناس لا يملكون الترف لانتظار سنوات أخرى حتى تتحسن أوضاعهم. وفي تلك اللحظة، ما بقاش الحديث مجرد خطاب سياسي، دخلت إليه العاطفة، وتقدم الإنسان على السياسي، وبانت «الكبدة» قبل الكلمات.
تلك اللحظة لا تقول إن السياسي ضعيف؛ بل تكشف أن وراء السياسي إنسانا ما زال قادرا على أن يتألم.

محمد أوزين، كما عايشته داخل الحزب، لم يكن حريصا على تقديم صورة السياسي البارد، بل فيه عفوية، وفيه لغة قريبة من الناس، وفيه ذلك الحس الشعبي الذي يجعله يتحدث عن المواطن بلغة يفهمها المواطن (..) لهذا تبدو عبارة «الكبدة على المغاربة» حاضرة بقوة في خطابه، فهي، في صورتها التي يقدم بها نفسه، محاولة لربط السياسة بالحياة اليومية، بالأسرة التي تجري وراء المعيشة، بالشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، وبالإنسان الذي لا يريد أكثر من أن يعيش بكرامة (..) وقد جعل أوزين قضايا العالم القروي والمناطق الجبلية والفئات المهمشة من الملفات البارزة في خطابه الانتخابي الحالي (..) وهنا كيبان أثر التجربة.
الرجل اللي عاش المحنة السياسية، ما بقاش كيشوف الحياة من نفس المكان اللي كان فيه قبل المحنة. الضغط صقلو، والسقوط علمو، والعودة عطاتو مسافة جديدة للنظر إلى السياسة وإلى الناس وإلى معنى المسؤولية.

يمكن للسياسي يتعلم كيفاش يدير حملة انتخابية، وكيفاش يواجه الخصوم، وكيفاش يربح جولة سياسية، ولكن تجربة السقوط كتعلمو شيئا آخر،كيفاش يواجه نفسه عندما تنقلب عليه الظروف، وكيفاش يرجع من بعد ما يكون الجميع شافه وهو كيطيح (..) وهذا بالضبط اللي وقع مع محمدأوزين، صعد، وتعثر، وتألم، وبكى، ولكنلم يستسلم.
رجع، ولكن ما رجعش بنفس الصورة، رجع بتجربة أكبر، وحنكة أكثر، وجرأة صقلتها المواجهة، وإرادة ما كتجيش بسهولة، ورجع وهو عارف أن السياسة ماشي دائما ابتسامة وتصفيق، وأن المسؤولية الحقيقية كتبدأ عندما يتوقف الكلام وتبدأ القرارات، ومع ذلك، بقى فيه واحد الجانب ما تبدلش، هو القرب من الناس.

بقى كيهضر بلغة قريبة منهم، وبقى كيشوف أن السياسي خاصو يسمع قبل ما يهضر، ويحس قبل ما يقرر، ويعرف أن المواطن ما محتاجش فقط لمن يتحدث باسمه، بل لمن يفهم معاناته، وهذا يكشف لنا ان أوزين يعلم أن السلطة ماشي امتياز، وإنما حمل، وأن المسؤولية على الناس كتبدأ من الإحساس بهمومهم.
ومن هذه الزاوية، كتولي رحلة محمد أوزين أكبر من مجرد مسار حزبي.

هي قصة رجل عاش القمة وعاش المحنة، عرف قوة الواجهة وقسوة العاصفة، عرف كيفاش يتألم، وحتى كيفاش يبكي قدام الناس، ثم عرف كيفاش يوقف ويكمل.واليوم، ونحن على أبواب الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، تدخل هذه الحكاية مرحلة جديدة.
ومن هنا كيكبر السؤال حول مستقبل محمد أوزين السياسي، إذا تصدرت «السنبلة» نتائج الاقتراع، وفتح المسار الدستوري باب تشكيل الحكومة أمام الحركة الشعبية، فهل يمكن أن تحمل تجربة محمد أوزين كل هذا الطريق إلى رئاسة الحكومة؟
هنا لن يكون الأمر مجرد انتقال من قيادة حزب إلى قيادة حكومة (..) سيكون انتقالا إلى مسؤولية بحجم وطن (..) وسيكون السؤال، قبل كل شيء، هو، واش غادي تبقى هاد «الكبدة على المغاربة» إحساسا يختصر في الخطاب والدموع، ولا غادي تتحول إلى قرارات وسياسات وبرامج يلمس المواطن أثرها في حياتو اليومية؟.

لأن رئاسة الحكومة، إذا انتهى إليها المسارالانتخابي والدستوري، ماشي كرسي في آخر الطريق، هي مسؤولية عن ملايين المغاربة، وعن اقتصاد البلاد، وعن الصحة والتعليم وفرص الشباب، وعن العدالة المجالية والتنمية في القرى والمدن والمناطق الجبلية (..) وهي، قبل كل شيء، امتحان للانتقال من الإحساس بالناس إلى المسؤولية عن الناس.
وهنا، بالنسبة لي، تبقى صورة محمد أوزين في ذاكرتي واضحة (..) إذا انتهى به المسار يوما إلى رئاسة الحكومة، فسيكون السؤال أكبر من الوصول نفسه، هل يستطيع الرجل الذي بكى من أجل وجع أبناء الشعب، أن يحمل هذا الوجع معه إلى أعلى موقع في القرار، وأن يحوله من إحساس إلى مسؤولية، ومن «كبدة» إلى فعل؟، ذلك هو الامتحان الحقيقي لكل ما عاشه محمد أوزين.

فالسياسة قد تفتح باب المنصب، لكن التجربة وحدها هي التي تكشف ماذا سيفعل الإنسان عندما يصبح القرار بين يديه.
































اترك تعليقاً