التعاقد الحركي والأسرة وقيم «تمغربيت»: كيف نحمي الأسرة ونصنع القدوة؟

*✍️زهير أصدور

قراءة في التعاقد الحركي – الحلقة العاشرة من 14

بعد سؤال اللغة والهوية في الفضاء العام، تنتقل هذه الحلقة من «التعاقد الحركي» إلى الدائرة الأقرب إلى المجتمع: الأسرة، والقيم، والثقافة، والقدوة.

وهي مجالات قد تبدو متفرقة للوهلة الأولى، لكنها تلتقي في سؤال واحد: أي مجتمع نريد أن نبني للأجيال المقبلة، وكيف نحافظ على الشخصية المغربية في عالم سريع التحول دون أن نحول الهوية إلى مجرد حنين إلى الماضي؟

فالأسرة ليست فقط إطارا قانونيا للزواج والطلاق والحضانة والنفقة، والثقافة ليست مجرد مهرجانات ودعم للفنون، والهوية ليست شعارات نرددها في المناسبات. كل ذلك يدخل في بناء الإنسان المغربي وفي الطريقة التي يرى بها نفسه ومجتمعه ومستقبله.

ومن هنا يجمع «التعاقد الحركي» بين استكمال إصلاح مدونة الأسرة، وتقوية وظائف الأسرة التربوية والاجتماعية، وبناء صناعة ثقافية مغربية، وإبراز نماذج النجاح أمام الشباب، وتثمين «تمغربيت» باعتبارها رصيدا حضاريا وثقافيا يمكن أن يتحول أيضا إلى قوة اقتصادية وناعمة.

البداية من مدونة الأسرة، فالقانون الذي ينظم العلاقات الأسرية لا ينبغي أن يبقى منفصلا عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي. ومراجعة المدونة، من هذا المنظور، ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار والأمن القانوني وحماية حقوق مختلف مكونات الأسرة، وفي مقدمتها المصلحة الفضلى للطفل.

وقد سبق للحركة الشعبية أن قدمت تصورات تفصيلية في هذا الورش، تناولت قضايا الحضانة والولاية القانونية والعلاقات المالية بين الزوجين وبعض مساطر إنهاء العلاقة الزوجية، وربطت الإصلاح بالحفاظ على تماسك الأسرة والعدل والإنصاف ومواكبة التحولات الاجتماعية.

لكن إصلاح النص القانوني، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافيا إذا ظل التدخل العمومي يبدأ بعد وصول النزاع الأسري إلى المحكمة.

وهنا تأتي الفكرة الثانية في التعاقد: تقوية الأسرة قبل أن تصل إلى مرحلة التفكك.
فالتعاقد يقترح تطوير مراكز الاستماع والتوجيه الأسري ومنحها أدوارا أكبر في معالجة النزاعات، إلى جانب آليات للتأهيل الأسري، ومراصد محلية تتولى تتبع وتقييم السياسات الموجهة إلى الأسرة بمشاركة المجتمع المدني والأسر والمصالح المحلية، مع التفكير في تحفيزات اجتماعية وجبائية تشجع على الاستقرار الأسري.

والمهم هنا ليس فقط تفاصيل كل آلية، التي ستحتاج بطبيعة الحال إلى تأطير قانوني وضمانات واضحة عند تنزيلها، بل تغيير فلسفة السياسة الأسرية نفسها: أن تنتقل الدولة من معالجة آثار التفكك إلى الاستثمار في الوقاية منه.

فالأسرة التي تواجه أزمة نفسية أو تربوية أو اجتماعية قد تحتاج إلى الاستماع والتوجيه والوساطة قبل أن تحتاج إلى حكم قضائي. والطفل الذي يعيش صعوبات داخل محيطه الأسري قد يحتاج إلى مواكبة مبكرة قبل أن تتحول تلك الصعوبات إلى انقطاع عن الدراسة أو هشاشة اجتماعية.

وهكذا لا يصبح دعم الأسرة مجرد مساعدة مالية، بل سياسة عمومية متكاملة تجمع القانون والوقاية والمواكبة والتربية والمسؤولية.

غير أن الأسرة لم تعد وحدها من يصنع قيم الطفل والشاب. هناك اليوم شاشة الهاتف، والمنصات الرقمية، والمسلسلات والموسيقى والمؤثرون وملايين الصور والرسائل التي تصل إلى الفرد كل يوم. ولذلك ينتقل «التعاقد الحركي» من الأسرة إلى سؤال الثقافة: هل نكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون، أم نبني صناعة ثقافية مغربية قادرة على المنافسة؟

وفي هذا المجال، يقدم التعاقد مقترحات من بينها إحداث آليات لتمويل الثقافة المغربية ودعم إنتاجات وطنية كبرى، وتقوية حضور المحتوى المغربي، وربط جزء من الدعم العمومي الموجه للفنون بالقدرة على الوصول إلى الجمهور داخل المغرب وخارجه، إضافة إلى تطوير فضاءات ثقافية تفاعلية وتشجيع الإبداع المغربي ذي الحضور الدولي.

الفكرة هنا تستحق التوقف عندها، لأن الثقافة في هذا التصور لا تقدم باعتبارها قطاعا يستهلك الميزانية، بل باعتبارها استثمارا.

ففيلم مغربي ناجح، أو مسلسل، أو موسيقى، أو تصميم، أو صناعة تقليدية، أو محتوى رقمي جيد، يمكن أن يحمل صورة المغرب إلى العالم وأن يخلق في الوقت نفسه فرصا للشغل والاستثمار والتصدير.

ويمكن للمتحف ألا يكون مجرد مكان لحفظ الأشياء القديمة، بل فضاء يجمع التراث بالتكنولوجيا والتجربة السياحية. ويمكن للصناعة التقليدية أن تنتقل من مجرد منتوج محلي إلى علامة مغربية تصل إلى الأسواق الدولية.

وهنا يتضح معنى تحويل «تمغربيت» إلى قوة اقتصادية وناعمة. فالمغرب يملك رصيدا لغويا وثقافيا وحضاريا متنوعا، وتثمين هذا التنوع لا يعني وضعه في المتاحف فقط، وإنما إدخاله إلى السينما والتصميم والموسيقى والسياحة والمحتوى الرقمي والصناعات الإبداعية.
أي الانتقال من حماية التراث إلى إنتاج القيمة انطلاقا من التراث.

لكن صناعة الثقافة تطرح سؤالا آخر لا يقل أهمية: من نقدم لأبنائنا باعتباره نموذجا للنجاح؟
فالقدوة في الماضي كانت تتشكل أساسا داخل الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي. أما اليوم، فقد أصبحت الخوارزميات بدورها تشارك في اختيار الشخصيات التي يراها الشاب كل يوم.

ومن هنا يفرد «التعاقد الحركي» مساحة لما يسميه صناعة القدوة وإبراز النماذج المغربية الناجحة، ويقترح منح حضور أكبر للكفاءات المغربية في مجالات العلم والهندسة والطب والأدب والابتكار والرياضة والفنون، وإبراز قصص النجاح، وإدخال سير نماذج مغربية ناجحة إلى المدرسة، حتى يتعرف الطفل منذ سنواته الأولى إلى مغاربة حققوا النجاح بالمعرفة والعمل والاجتهاد وخدمة المجتمع.

كما يطرح التعاقد تكريم النماذج التي تسهم في تكوين أجيال جديدة من القدوات الإيجابية، حتى لا تبقى الشهرة وحدها معيارا للحضور في الفضاء العام.

ويتطرق التعاقد أيضا إلى مسؤولية المنصات الرقمية تجاه المحتويات التي تمجد الاحتيال أو الثراء السريع أو السلوكيات الضارة، وهو مجال يحتاج عند تحويله إلى قواعد قانونية إلى موازنة دقيقة بين حماية الناشئة ومكافحة المحتوى غير المشروع من جهة، وضمان حرية التعبير والضمانات القانونية من جهة أخرى.

والمقصد الأعمق من صناعة القدوة ليس أن نختار للشباب من يعجبون به، وإنما أن يصبح النجاح المبني على العلم والعمل والخدمة والابتكار مرئيا بالقدر نفسه الذي أصبحت به الشهرة السريعة مرئية على المنصات.

فالطبيب الذي يخدم منطقة بعيدة، والأستاذ الذي يصنع أجيالا، والباحث الذي يبتكر، والمهندس الذي يشارك في بناء مشروع كبير، والمقاول الذي يخلق فرص الشغل، والفنان الذي يحمل الثقافة المغربية إلى العالم، يستحقون جميعا مساحة في الوعي الجماعي.

وهنا تلتقي الأسرة بالثقافة، والثقافة بالقدوة، والقدوة بالهوية. لأن «تمغربيت» في النهاية لا يمكن اختزالها في لباس أو طبق أو موسيقى أو لغة بعينها. قوتها في تعدد الروافد التي صنعت المغرب، وفي قدرة المغاربة على تحويل هذا التنوع إلى عنصر وحدة وإبداع.

والرهان، كما يمكن قراءته في هذا المحور من «التعاقد الحركي»، ليس أن نقف في مواجهة العالم لحماية هويتنا، بل أن ندخل العالم بهويتنا. أن ننتج بدل أن نكتفي بالاستهلاك. وأن نحول التراث إلى إبداع، والإبداع إلى صناعة، والصناعة إلى فرص شغل وقوة ثقافية وحضور دولي.

وهكذا تنتظم الإجراءات الخمسة في سلسلة واحدة:
-مدونة أسرة توفر الوضوح والاستقرار القانوني.
-وسياسة أسرية تنتقل من معالجة التفكك إلى الوقاية والمواكبة.
-وصناعة ثقافية تنتج المحتوى المغربي وتبحث له عن مكان داخل المغرب وخارجه.
-وسياسة للقدوة تجعل العلم والعمل والنجاح الحقيقي أكثر حضورا أمام الأجيال الجديدة.
-وهوية مغربية متنوعة لا تكتفي بحفظ الذاكرة، بل تحولها إلى طاقة للمستقبل.

بهذا المعنى، فإن سؤال الأسرة وقيم «تمغربيت» ليس سؤالا عن الماضي بقدر ما هو سؤال عن المغرب الذي نريد أن يراه أبناؤنا غدا.
فالتحدي ليس فقط أن نعلم أبناءنا من نحن، بل أن نوفر لهم داخل هذا الوطن ما يجعلهم يعتزون بمن يكونون، وما يمنحهم القدرة على أن يصنعوا مستقبلهم دون أن يفقدوا جذورهم.

وفي الحلقة المقبلة، ننتقل إلى تحدي المناخ والصمود، وكيف يقترح «التعاقد الحركي» استباق المخاطر وتعزيز الأمن المائي والغذائي وحماية المناطق الأكثر هشاشة.

*(عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية)

 

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code