التعاقد الحركي والصحة للجميع: من بطاقة التغطية إلى حق فعلي في العلاج

قراءة في التعاقد الحركي – الحلقة الخامسة من 14
لا تقاس عدالة المنظومة الصحية بعدد المواطنين المسجلين في أنظمة التأمين فقط، بل بما يحدث عندما يمرض الإنسان فعلا: هل يجد الطبيب؟ وهل يحصل على موعد في الوقت المناسب؟ وهل يستطيع تحمل كلفة العلاج؟ وهل تختلف فرصه في الصحة باختلاف مكان إقامته أو وضعه الاجتماعي؟
من هذا السؤال ينطلق محور الصحة في «التعاقد الحركي». فالتغطية الصحية، مهما اتسعت، لا تحقق غايتها إذا بقي المواطن يحمل بطاقة لا تمكنه عمليا من الولوج السريع والعادل إلى العلاج.
ولهذا يقترح التعاقد الحركي أربعة اتجاهات مترابطة، أولها رقمنة المنظومة الصحية وتبسيط طريق المريض إلى العلاج.
فالمقترح يقوم على إحداث بطاقة صحية رقمية موحدة لكل مواطن، تتضمن ملفه الطبي الإلكتروني، بما يسمح له بمتابعة علاجه في مختلف المؤسسات الصحية دون إعادة الإجراءات أو نقل ملفه من مؤسسة إلى أخرى، إلى جانب منصة وطنية موحدة للمواعيد والخدمات الصحية والاستفادة من الخدمات الصحية عن بعد.
والأهم أن هذا التصور يتجه أيضا نحو التوسع التدريجي في الإعفاء من الأداء المسبق لتكاليف العلاج لفائدة المؤمن لهم، وفق ضوابط تضمن استدامة المنظومة.
فالرقمنة هنا ليست ترفا تقنيا، بل وسيلة لتخفيف معاناة الإنسان. والمريض لا ينبغي أن يخوض، إلى جانب معركته مع المرض، معركة أخرى مع المواعيد والملفات والتنقل بين الإدارات.
ويشمل هذا التصور كذلك مغاربة العالم، ولاسيما المتقاعدين الذين يقضون جزءا من السنة بالمغرب، بما يتيح لهم استمرار العلاج داخل الوطن دون الاضطرار إلى العودة إلى بلد الإقامة لمتابعته.
لكن أفضل المنصات الرقمية لن تعالج مريضا إذا لم يوجد الطبيب أو الممرض أو التقني. ومن هنا يأتي الاتجاه الثاني المتعلق بالاستثمار في الموارد البشرية الصحية.
فالحاجة اليوم ليست فقط إلى بناء المستشفيات والمراكز، وإنما إلى توفير الأطر القادرة على تشغيلها وضمان استمرارية خدماتها، مع توسيع الطاقة الاستيعابية لكليات الطب والصيدلة وطب الأسنان ومعاهد تكوين مهنيي الصحة.
كما يقترح التعاقد مراجعة شروط الولوج إلى التكوين الصحي، حتى لا تبقى المعدلات المرتفعة وحدها معيار القبول أو الإقصاء، واعتماد انتقاء أكثر شمولا يقوم على الكفاءة والاستعداد الحقيقي لممارسة المهن الصحية، دون أي مساس بجودة التكوين ومستواه الأكاديمي.
ويتعلق الاتجاه الثالث بإصلاح منظومة التأمين الصحي على أساس الجمع بين العدالة والجودة وتوسيع خيارات المواطنين، من خلال فتح مجال التأمين الصحي أمام الفاعلين الخواص في إطار منظم يضمن المنافسة والرقابة.
غير أن ذلك لا يعني تراجع الدولة عن مسؤوليتها، إذ تظل مسؤولة عن التقنين والمراقبة وضمان قوة المرفق العام الصحي، حتى لا تصبح القدرة على العلاج مرتبطة فقط بالقدرة على الأداء.
أما الاتجاه الرابع فيتعلق بإصلاح نظام الاستهداف الاجتماعي ومراجعة المؤشر الرقمي للهشاشة.
فالأرقام والمعادلات الرقمية قد تساعد على تحديد المستفيدين، لكنها لا تعكس دائما الواقع الاجتماعي بكل تعقيداته. وقد يوجد مواطن في وضع هش حقيقي بينما تصنفه المنظومة الرقمية خارج دائرة الاستفادة.
ولهذا يقترح التعاقد تمكين ثلاث فئات من الولوج المباشر إلى أنظمة الحماية الاجتماعية دون إخضاعها للمؤشر الرقمي: الأرامل، والأشخاص في وضعية إعاقة، والمسنون البالغون ستين سنة فأكثر الذين لا يتوفرون على أي دخل.
أما بالنسبة إلى باقي الفئات، فيقترح جعل الدخل الحقيقي للأسرة أساسا أكبر للاستهداف، مع اعتماد عتبات جهوية تراعي اختلاف كلفة المعيشة ومستويات الدخل بين جهات المملكة.
وفي امتداد لهذه الرؤية، تحضر صحة المرأة والأم والطفل بقوة، من خلال برنامج وطني للعناية بالأم والطفل خلال «الألف يوم الأولى»، يبدأ بمتابعة الحمل ومحاربة فقر الدم وسوء التغذية، ويمتد إلى الرعاية بعد الولادة وتشجيع الرضاعة الطبيعية والتلقيح ومراقبة نمو الطفل وتطوره.
ويشمل التصور كذلك تعزيز الصحة الإنجابية، والكشف المبكر عن الأمراض التي تمس النساء، وإدماج الصحة النفسية للمرأة ضمن خدمات الرعاية الصحية الأساسية.
وتكتسي هذه الإجراءات أهمية أكبر في العالم القروي والمناطق الجبلية والواحات والمناطق الحدودية والنائية، حيث تصبح المسافة أحيانا جزءا من المشكلة الصحية نفسها. ولذلك يقترح التعاقد تطوير وتأهيل دور الأمومة والولادة، وتقوية الوحدات الطبية المتنقلة، وتعزيز النقل والإجلاء الصحي للحالات المستعجلة.
وتلتقي هذه الاختيارات جميعها في فكرة واضحة: الحق في الصحة لا يبدأ ببطاقة التأمين وينتهي عندها، بل يبدأ حين يستطيع المواطن استعمال هذه التغطية فعليا عندما يحتاج إلى العلاج.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المؤمن لهم، بل بأن يجد المريض موعدا في الوقت المناسب، وطبيبا قريبا، وعلاجا متاحا، وألا تحرمه المسافة أو الفقر أو التعقيد الإداري من حقه.
فالعدالة الصحية ليست أن يحمل الجميع البطاقة نفسها، بل أن تكون للجميع فرصة حقيقية ومتساوية في العلاج.
في الحلقة المقبلة: التعليم والتكوين… كيف نبني مدرسة للجودة وتكوينا يفتح أبواب الفرص؟.
*(عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية)

































اترك تعليقاً