“إنْسحاب الإتحاد الإشتراكي منْ تَنْسيق ملتمس الرقابة”..إِقْبَار المبادرة قبل الميلاد!

أش بريس/ صليحة بجراف

تباينت أراء فعاليات سياسية، حول قرار توقيف فريق حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” في مجلس النواب عن أي تنسيق يخص “ملتمس الرقابة” لإسقاط حكومة عزيز أخنوش، بين مؤيد لقرار فريق “الوردة”، وبين من لم يفاجئ لكون قادة الحزب لا يَثْبُتُون على موقف، كشفتها محطات سابقة.

غياب الأغلبية العددية

وبرر المؤيدون، لموقف حزب “الوردة” بغياب الأغلبية العددية الكافية للمعارضة، مقابل الاستقواء العددي للأغلبية، مسجلين أن هذا الموقف يُقبر المبادرة قبل الميلاد، وبالتالي فإن قرار التوفق عن التنسيق بشـأن الملتمس، أفضل من فشل التصويت علىه، لكون الأخير قد يتحول إلى خسارة سياسية بينة للمعارضة، الذي ستستفيد منه الحكومة لتنجو من أزمتها الداخلية ولتظهر نفسها كـ”ضامنة للاستقرار”.

ويعتبر ملتمس الرقابة أحد أهم الأدوات الدستورية التي تمنحها النصوص القانونية للمعارضة البرلمانية لمراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها، ونجاحه يعني سحب الثقة من الحكومة وإسقاطها

ويمنح الفصل 105 من الدستور الحق لمجلس النواب في أن يعارض مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، بالتصويت على ملتمس للرقابة، ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خُمس الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس.

ويشير الدستور إلى أنه لا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من قبل مجلس النواب، إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم.

أداة ضغط سياسية

وفي هذا الصدد، يرى الدكتور عبد الحكيم قرمان (المحلل والباحث في العلوم السياسية)، أنه بالرغم أن ملتمس الرقابة يبدو إجراءً دستوريًا مشروعًا، إلا أن في غياب الأغلبية الكافية للمعارضة يجعله أداة ضغط سياسية أكثر منه آلية لإسقاط الحكومة.

ويوضح قرمان، استنادا إلى الأسس الدستورية والقانونية، أن تقديم ملتمس الرقابة، من خلال الفصلين 105 و106، يشترط توقيع 1/5 أعضاء مجلس النواب (أي 69 نائبًا) موافقة الأغلبية المطلقة (أي 198 صوتًا) لإسقاط الحكومة.

وأضاف قرمان في حديث خاص لـ ” اش بريس” أن مناقشة الملتمس، يتم بعد 3 أيام من تقديمه، مع حظر التصويت قبل مضي 48 ساعة، قائلا إن التطبيق العملي يُظهر إكراهات سياسية، منها الأغلبية الحكومية (حزب التجمع الوطني للأحرار، حزب الاستقلال، حزب الأصالة والمعاصرة) تتوفر على أكثر من 50% من مقاعد البرلمان، مما يجعل نجاح الملتمس مستبعدًا في ظل التشكيلة النيابية الحالية، اللهم إن نجحت المعارضة في استمالة جزء من مكونات الأغلبية المساندة للحكومة، أو حدوث انشقاقات داخل الأغلبية، وملامح تحقق هاتين الفرضيتين، غير متاحة أو غير متوقعة في السياق الذي نتحدث في خضمه.

وتابع المحلل والباحث في العلوم السياسية مردفا أن السيناريو الممكن وفق المعطيات السياسية الراهنة تبقى منحصرة بين صعوبة توفر كل الشروط القانونية والسياسية والمسطرية الكفيلة بإنجاح المبادرة السياسية للمعارضة، يعني فشل الملتمس كما أسلفنا القول، وبالتالي عدم تحقيق الأغلبية المطلوبة بسبب تماسك الأغلبية الحكومية، وطيعا هذا في صالح الحكومة التي تستغل النتيجة لتبرير استمراريتها وتبيان ضعف المعارضة، مقابل تراجع شعبية المعارضة إذا لم تُقدم بديلًا مقنعًا، حسب تعبير المتحدث.

موقف عادي لقيادة حزب “الوردة”

وبخصوص الرأي الذي لم يفاجئ بموقف حزب “وردة” ، فقد اعتبر الموقف عاديا بالنسبة لقيادة الاتحاد الاشتراكي،  قائلا شتان بين مواقف هذا الحزب في الماضي، والآن

وفي هذا السياق، قال مصدر مسؤول بالاتحاد الاشتراكي  للقوات الشعبية رفض الكشف عن اسمه، إن قادة حزبه ومن يدور في فلكها يسعون للمواقع، وليس المواقف، معتبرا موقف الانسحاب من التنسيق عاديا، لاسيما مع من كان يمني نفسه بمنصب داخل الحكومة، مضيفا لا أستبعد أن يكون هناك اتفاق أولي حول تقسيم المناصب بعد إنتخابات 2026، قائلا:” للأسف، حزبنا منذ نهاية سنة 2023، وهو يهدد بإشهار الملتمس في وجه الحكومة وأكثر من ذلك  أدرجه  ضمن التقرير السياسي المقدم أمام المجلس الوطني للحزب يوم السبت 27 يناير 2024″إلا أنه ظل يُقبر هذه المبادرة  إلى الآن.

تمرير شبه مستحيل

من جهته، الفاعل السياسي الدكتور نور الدين البركاني، لم يستغرب موقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قائلا:”  شخصيًا، توقعت أن حظوظ نجاح هذا الملتمس تبقى ضعيفة جدًا، لعدة أسباب أهمها، غياب الانسجام بين مكونات المعارضة” .

وسجل المتحدث في حديث مماثل أن هناك خلافات عميقة وصراعات شخصية بين بعض الزعامات، خاصة بين عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية و إدريس لشكر الكاتب الأول للإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهي صراعات تطغى على القضايا المشتركة، فضلا عن التفوق العددي للأغلبية، موضحا أن رئيس الحكومة يحظى بدعم أغلبية مريحة تتكون من حوالي 290 نائبًا، مقابل 95 فقط للمعارضة، مما يجعل تمرير الملتمس شبه مستحيل من الناحية الحسابية.

وتابع الفاعل السياسي مسترسلا:” ضعف أداء الحكومة ولا يكفي، لإسقاط الحكومة (..) غير أن المعارضة مطالَبة ببذل مجهود أكبر لتقديم بدائل قوية، مشتركة ومقنعة، تبرر هذا الإجراء الدستوري”.

يذكر أن باقي مكونات المعارضة، تفاجأت بموقف الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بالتوقف عن التنسيق مستغربين دفن الفكرة قبل ميلادها، لاسيما وأن النقاش لا يزال في مرحلة توزيع الأدوار وتحديد الشكل والمضمون، وبالتالي لا يوجد ما يبرر اتخاذ قرار الانسحاب.

قرار مفاجئ  وتُجهل خلفياته

وفي هذا الصدد، قال محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، في تصريح صحفي تعليقا موقف فريق الاتحاد الاشتراكي ـ المعارضة الإتحادية، بمجلس النواب انه ” تفاجئ  بقرار الانسحاب من التنسيق حول ملتمس الرقابة”، مضيفا أنه “تلقى الخبر عبر بلاغ الحزب، في حين أن الأصل أن نُخطر بمثل هذا القرار داخل اجتماع رسمي مخصص لملاحظات الفرق، لا عبر إعلان مفاجئ”.

وذكر أوزين بأن التنسيق كان في بدايته، والدليل أننا كنا برمجنا لقاء يوم الأحد المقبل لمناقشة جميع النقاط المرتبطة بالمبادرة.

وخلص أوزين، إلى التأكيد أنه إلى حدود الساعة، نجهل خلفيات هذا القرار، كما لم نتلق أي توضيح رسمي من طرف الفريق المنسحب، وإن وجد خلاف بين الفرق، كان يجب أن يرفع إلى الأمناء العامين للأحزاب، لا أن يتحول إلى موقف علني دون تشاور.

يذكر انه ليس هذا الخلاف الوحيد وسط مكونات المعارضة، بل سبقته “محطات اخفاق” مما يترجم غياب الرؤية، ويفسر أن المعارضة بالمغرب هي المكان الاضطراري لممارسة السياسة وليس اختيارا سياسيا، ما ينتج عنه غياب التنسيق والقوة الاقتراحية وغياب الحلول.”

وكان الفريق الاشتراكي للمعارضة الاتحادية، قد أعلن الجمعة توقيفه لأي تنسيق بشأن ملتمس الرقابة، “الآلية الدستورية” التي كانت تعول عليها المعارضة لسحب الثقة من “حكومة أخنوش”،مؤكداً تمسكه “بأداء رقابي جاد ومسؤول” تجاه الجهاز التنفيذي، في إطار “معارضة اتحادية يقظة تضع في صلب أولوياتها خدمة الصالح العام ومصالح المواطنات والمواطنين”.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail