إدريس بنيعقوب: ليس هناك بلوكاج مادامت هناك مشاورات مستمرة

 الأزمة الحكومية الحالية هي أزمة ذهنيات وليست أزمة نصوص

لاوجود لأزمة سياسية وإنما هناك أزمة حزبية في تدبير المرحلة
تراكمات حكومة بنكيران سبب في أزمة الثقة الحالية لتشكيل الحكومة 
 1- يختلف الباحثون والمهتمون بالشأن السياسي حول مالات الأزمة السياسية بعد تأخر تشكيل الحكومة وكيفية حل هذه الأزمة. هل يعني ذلك أن دستور 2011 لم يكن انتقالا حقيقيا ونوعيا خصوصا فيما يتعلق بتنظيم وحسم العملية السياسية؟
 
في الحقيقة وبعيدا عن منطق المزايدات السياسية، و بعيدا عن الخطاب السياسي الحزبي الذي غالبا ما يتجه نحو تهويل إعلامي في مثل هذه المواقف من أجل حشد الدعم الجماهيري وإضعاف خصومه إعلاميا ومن أجل ممارسة نوع من الضغط النفسي على باقي الأطراف وكأننا أمام كارثة عظمى أو شلل شبه تام أو غير ذلك. لنكن واقعيين وراشدين في تحليلنا للوضع السياسي المتعلق بتشكيل الحكومة الحالية ولنقدم قراءة تتفق مع منطق التطور في الحاصل ببلادنا الذي لم يكن أبدا فجائيا وإنما يتميز بالاستمرارية داخل نسق سياسي وليد التاريخ والأعراف والثقافة وكذا متلاقج إلى حد ما مع التجارب الدولية المهمة في مجال الديمقراطية والحريات. فدستور 2011 ليس بداية الدولة المغربية، ولم ينبن على فراغ أو على هدم منظومة قيم سياسية سابقة بل هو علاج إجرائي ومخرج اتفاقي لتدبير وضع 2011 والرد على المدخلات المطلبية آنذاك المتأثرة بالسياق الدولي والإقليمي المأزوم والمنفجر بفعل الرجات الاحتجاجية خلال نفس السنة. وبالتالي اي قراءة لمواد الدستور خارج منطق الاستمرارية قد تكون قراءة مادية منغلقة غير مؤسسة على فهم دقيق لآليات اشتغال النظام السياسي المغربي و للعناصر البيئية العامة المؤثرة فيه بما في ذلك عامل البيئة الثقافة التي تشكلت عبر سيرورة تاريخية أعطت للملكية جوهر السلطة السياسية في البلاد أعطتها مركزية داخل هرم الدولة والمجتمع.
الحديث عن وجود أزمة سياسية حديث يدخل في باب المزايدات السياسية الحزبية الإعلامية بالدرجة الأولى. فالأزمة السياسية قد تكون حزبية فقط وغير ممتدة إلى النظام ككل، فالحزب الذي لم تعد أمامه خيارات كثيرة لإنشاء فعل سياسي حقيقي ومستقل يجد نفسه في وضع مأزوم ويحاول أن يصبغ النظام ككل بخطابه المأزوم في حين أن الدولة قائمة والمشاورات لتشكيل الحكومة مستمرة والتشريع تحدث عن تدبير هكذا أزمات خصوصا في شقها المالي والإداري وبالتالي لا يمكن أن نقر بشكل قطعي ونهائي بوجود أزمة سياسية وإنما يمكن القول عنها أنها أزمة حزبية سببها تراكمات الماضي القريب من تدبير العلاقات بين الأحزاب فيما بينها وبينها وبين النظام ككل و سببها أيضا تراكم عدم الثقة في ملفات عديدة وخطابات عنيفة وغير متوازنة والآن يتم دفع الثمن من وقت الدولة والمجتمع.
و مع ذلك، في نظري هذا تطور إيجابي في ذهنية الدولة وتحول مناقض لمنطق الدولة في العهد السابق الذي كان يتدخل ليمنح التحالف في مدة وجيزة وبشكل مفروض غير قابل للتفاوض. الآن نعيش منطقا آخر لتدبير صراع الإرادات السياسية المتصارعة  أساسه التعبير الحر عن شروط التحالف و أساسه أيضا تمكين السياسي من تجريب قدراته على إدارة الاختلافات وعلى إيجاد الحلول المناسبة وأعتقد أن هذا سلوك جديد لم يعهده المغرب من قبل بهذا الشكل.
وفي آخر المطاف لايمكن أن تتحمل القاعدة القانونية  سواء المضمنة في الدستور أو في باقي الجسم التشريعي والتنظيمية المسؤولية، لأنها تظل مجرد مؤسسات نصية أغلبها غير مذيلة بجزاءات قانونية في حال مخالفتها وعلى الفاعل السياسي إعطائها الروح عن طريق تفسير يستقيم مع تاريخ المغرب ومع تطلعات المجتمع و يستقيم أيضا مع منطق التوافق وأن مثل هذه العثرات هي عادية في جميع الأنساق التي تصر على الديمقراطية وحدثت في جميع الديمقراطيات وحدثت مؤخرا في اسبانيا وبلجيكا تقريبا نفس العثرات وإذا كان في المغرب أطراف عدة متدخلة في العملية السياسية فإنه في جميع الديمقراطيات هناك لوبيات قوية منها ماهو مرتبط بالأمن والاستخبارات ومنها ماهو مرتبط بعالم الاقتصاد والمال لمحاولة التأثير على قرار سياسي معين أو على تشكيلة حكومية بمواصفات خاصة.
الخلل الرئيسي في نظري ليس هو النص الدستوري و إنما يكمن في تشخيص السياسي لوضع النظام السياسي و محاولته خلخلة نظام القيم العرفية التي بنيت عليها الدولة ككل، غير مبديا رغبته في التعايش معها ومع وسطائها لضمان انتقال أو على الأقل اتفاق جديد نحو الإنتقال الديمقراطي.
2- تتوقف بعض النقاشات عند تأويل بعض الفصول للخروج من أزمة تشكيل الحكومة. هل يحتاج الدستور الديمقراطي والواضح إلى تأويل؟
 
نعم تحتاج الدساتير إلى تأويلات وإلى اجتهادات في التفسير كلما تعسر أمر تطبيق وتنزيل قاعدة معينة، وإلا ما الداعي إلى إحداث مؤسسة كبرى إسمها القضاء الدستوري والمحاكم أو المجالس الدستورية المعنية بمراقبة مطابقة العمل المعياري للمؤسسات الدستورية الكبرى مع الدستور و البت في جميع النزاعات والخلافات بين المؤسسات الدستورية فيما يتعلق بتفسير قاعدة دستورية معينة. وهذا المنطق تؤسس عليه الدولة الحديثة وأحد معايير الدولة الديمقراطية.
وعموما حاليا نحن أمام ثلاث قراءات للوضع السياسي الحالي في المغرب.
القراءة الأولى قراءة مغلقة وهي قراءة جامدة للنص و للقاعدة الدستورية، والتي ركزت على الفصل 47 من الدستور وعلى مقتضى تعيين رئيس الحكومة من الحزب الأول ولا تقبل أي قراءة أخرى تقول بضرورة إيجاد حل يقبله المنطق الديمقراطي و معمول به في التجارب الديمقراطية المقارنة. هذه القراءة هي قراءة سياسية في حدها وليست قانونية صرفة، لأنها تتخوف من تأويلات واسعة قد تساهم في نكوص ديمقراطي كما أنها قراءة تستند فقط على النص القانوني و تقتضي ضمنيا نسيان تاريخ المغرب واعتبار أن المغرب السياسي الحقيقي تأسس سنة 2011 مع الحراك الشعبي ومع الدستور الجديد وهي قراءة لاتساهم في حل عقد النصوص وإنما تزيد من تعقدها و تفكيكها عن بعضها البعض.
القراءة الثانية هي قراءة محافظة تؤمن بوجود قواعد عليا ما فوق الدستور أسسها العرف الدستوري المغربي والثقافة السياسية للبلاد و للتطور التاريخي الذي يمزج بين المؤسسات العصرية التي ينظمها الدستور وبين المؤسسات التقليدية التي بناها المغاربة عبر تاريخ طويل. فإمارة المؤمنين التي تجسدها الملكية، والتي تحدث عنها الدستور من دون أن ينظم اختصاصاتها بشكل مفصل وبدون وجود أي سند نصي تشريعي لتنظيم مجالات تدخلاتها المتعددة اللهم إلا تنظيم بعض الاختصاصات كرئاسة المجلس العلمي الأعلى، هذه المؤسسة تعمد المؤسسون للدستور السكوت عن تنظيمها و تركوها داخل قواعدها العرفية والتاريخية وبذلك فهي ليست مؤسسة رمزية شكلية فحسب وإنما مؤسسة فوقية مجمع عليها، تقريرية تتدخل في تنظيم حياة الأمة وفي إختياراتها كلما حدث لها طارئ مخل بتوازنها وبمصالحها.
من هنا يستند رواد هذه القراءة في تحليل وضع تشكيل الحكومة على تقنية الجمع بين النصوص اي الفصول 47 وأيضا 42 من الدستور وأيضا على نصوص أخرى وعلى الأعراف التي يحيل عليها ضمنيا الدستور خصوصا الفصل 42 الذي يعطي للملك بصفته أميرا للمؤمنين يعطيه صلاحية بل يفرض عليه واجب ضمان استمرار الدولة وحسن سير المؤسسات وبذلك يمكنه من هذه الزاوية أن يكلف شخصا آخر لتشكيل الحكومة حرصا على مصالح الأمة.
القراءة الثالثة هي قراءة توفيقية تدعو إلى ترك جميع الخلافات السياسية جانبا، والسعي إلى إبرام توافق حزبي سياسي موسع من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية يتوافق الأحزاب من خلالها إما على مخالفة الفصل 47 وتعيين شخصية غير حزبية لإدارة العمل الحكومي أو إختيار شخصية من الحزب الأول، مستندة على مصالح البلاد والمواطنين وعلى المناخ الإقليمي المتخاصم إلى حدود ما مع قضايا المغرب الأساسية. هذه القراءة هدفها صيانة مصالح المغرب والتعاون من أجل حل مشاكل المواطن المغربي وهي قراءة تقول بوجود دستور استثنائي لسنة 2011 وبوجود مناخ إقليمي و قاري ودولي استثنائي كل هذا يفرض أدوات سياسية استثنائية لتنزيل الدستور كاملا ولحل هذه المشاكل والتصدي لها وبذلك لابأس من اختيار أداة استثنائية في العمل الديمقراطي وهي الإجماع أو التوافق الواسع على تأسيس حكومة وطنية بعيدا عن منطق أغلبية معارضة التي لا يفهمها المواطن عند ربطها بمشاكله اليومية المتعددة.
3- يعزى “البلوكاج” الحالي في تشكيل الحكومة حسب ما هو معلن إلى بعض الخلافات بين الأحزاب حول طبيعة التحالف هل من المفروض أن تحسم الوثيقة الدستورية بما تنص عليه من إجراءات تنظيمية مثل هذه الخلافات التي تفرض على الحزب الأول انتظار حزب في مرتبة أدنى لتشكيل الحكومة؟
أولا اسمح لي أن اتخفظ على مصطلح بلوكاج الذي تروجه جهات حزبية سياسية مأزومة، وتحاول أن تضخمه في حين أن البلوكاج هو نهاية المطاف وهو الفشل النهائي في إيجاد الحلول بل هو الشلل التام وعدم القدرة على الحركة وعلى إبداع حيل للخروج من المأزق، في الوقت الذي لم يصدر بعد رئيس الحكومة المعين أو أي طرف حزبي قراره أو حكمه بنهاية المشاورات والمفاوضات وتقديم استقالته والبحث عن خيارات أخرى. فالمشهد مازال يعيش على نفس التشاور والتجاذب وقد نرجع حديث بعض الأطراف عن البلوكاج إلى ضعف ثقافة تدبير التعثرات السياسية الكبرى، وإلى عدم وجود سوابق على غرار باقي الدول الديمقراطية وكذلك إلى ذهنية السياسي الحزبي المغربي الذي لايتميز بالنفس الطويل في مجاراة الخصوم و الذي يحول كل عثرة إلى أزمة وإلى بكائية سياسية عرفت دول أخرى مدد طويلة جدا لتشكيل الحكومة وصلت إلى أزيد من سنة ونصف في بعض الدول الديمقراطية. ثم إن هذا المصطلح يفترض وجود جهة ما تجمد العملية الشيء الذي يمكن تفهمه في دفاعها عن رؤاها ولا يمكن لومها بل المناورة معها للوصول إلى نتيجة مرضية للجميع.
لايمكن للدستور أن يتوقع جميع المشاكل المترتبة عن الفشل في تشكيل الأغلبيات البرلمانية والحكومية، وكما قلت أن الدساتير إنما تضع الأسس الكبرى لإدارة مؤسسات الدولة، و للعلاقة فيما بينها وأحدثت الآليات المناسبة لفض النزاعات حول تطبيق نص معين كآلية القضاء الدستوري أو التحكيم بين المؤسسات سواء من قبل مؤسسة ثابتة أو من قبل هيئات تحدث خصيصا لتدبير الاختلافات.
رئيس الحكومة المعين السيد بنكيران يعي بأن الخريطة بدون شريك قوي بل و وسيط سياسي يحظى بالثقة لا يمكن أن تكون سليمة أو أن تكون لها النجاعة المطلوبة. و من المقبول سياسيا أن يشترط كل حزب أن يختار  شركاؤه. ما العيب في أن يرفض أخنوش شباط سياسيا و بنكيران إلياس وغير ذلك من المعادلات. إذا كان بنكيران حر في إختياراته وسبق أن رفض التحالف مع البام بل هاجمه بشدة لماذا نصادر اليوم حق أخنوش في رفض حزب الإستقلال أو شباط تحديدا. يعني أن بنكيران أقر لنفسه ولأصدقائه قواعد للعبة و حرمها على الآخرين إذا دعاهم للتحالف. من هنا فهو يتحمل جزء من التعثر ويتعين عليه دعوة الجميع إلى العمل الحكومي من منطلق المصلحة العامة وليس من منطلق الحساسيات الشخصية التي تعد عابرة وغير متجذرة في ثقافة الدولة فبالأمس القريب كان شباط خصم شرس لبنكيران واليوم أحد الحلفاء الذي بدونه لا تكون الحكومة.
الخلاصة أن النص الدستوري لايمكنه أن يضبط كل التفاصيل لأن العمل السياسي خليط من ذهنيات و نفسيات و ثقافات و سلوكات متناقضة وغير مستقرة وأحيانا كثيرة غير عقلانية حتى يتم تنظيمها وتوقع افرارزاتها.
4- هل تعتقد أن الإصلاح الدستوري الذي جرى في 2011 تجاهل كل الحلول التنظيمية التي يمكنها أن تحسم في مسطرة تشكيل الحكومة ؟
لا أعتقد ذلك، بل أقول أن دستور 2011 كان وفيا لتاريخ النظام السياسي المغربي. أجاب عن المطالب اللغوية والثقافية وكذا السياسية وأيضا أجاب عن الأسئلة الحديثة في إدارة الدولة من أجل حكامة جديدة، غير أنه في عمقه أعاد إنتاج نفس قواعد تدبير السلطة السياسية ومركزها الملكية وحافظ على القواعد السياسية العرفية وأحال عليها ضمنيا في شخص إمارة المؤمنين، وذلك بغية خوض تجربة جديدة يمكن أن تتطور نحو نظام متوازن في المستقبل مع ما سيكرسه هذا الدستور من ممارسات و ثقافات جديدة في تدبير شؤون الدولة.
5- هل يمكن القول أن أزمة تشكيل الحكومة التي تعطل المؤسسات منذ أكثر من شهرين تستدعي التفكير في مراجعة الدستور مجددا؟
السكوت عن حلول محتملة في الدستور الجديد مرده إلى مكانة الملكية وقدرتها على الحصول على ثقة جميع الأطراف والفاعلين السياسيين في قبول تحكيمها السياسي عند وجود خلافات كبيرة من شأنها أن تهدد حسن سير المؤسسات الدستورية. وبالتالي فإن المدرسة التي صاغت نص الوثيقة الدستورية تؤمن بمركزية الملكية وإمارة المؤمنين من خلال الأعراف التاريخية في توحيد الرؤى السياسية وممارسة وظيفة خلق المعايير والقواعد عند وجود فراغ نصي ولهذا السبب لم يتم تنظيم كل المؤسسات تنظيما دقيقا ومفصلا وإلا كيف سيمارس الملك اختصاصاته كرئيسا للدولة حسب الفصل 42 من الدستور أو مهام إمارة المؤمنين التي تقتضي التحكيم والتوفيق وصيانة المصالح العليا للبلاد وعلى رأسها الخيار الديمقراطي.
وفي حال أن الأطراف لا يريدون اللجوء إلى تحكيم ملكي وهذا أمر جد مستبعد فعندها يمكن الحديث عن مراجعة للدستور الذي لن يتجاوز مسألة وضع لشروط جديدة مكملة للفصل 47 من الدستور بالتنصيص صراحة على تحديد لتراتبية للأحزاب التي يمكن أن يعين منها رئيس الحكومة في حال فشل الحزب الأول، والذي أعتقد أنه لن يحل الإشكال بشكل نهائي لأن الفاعلين قد يدخلون في مرحلة للرفض المتبادل ويمارسون عملية إضعاف بعضهم البعض وتبقى الأمور كما هي عليه اليوم، واكرر مرة أخرى أن الذهنيات هي من يجب تغييره وفق التطورات الحالية دون إغفال تراكمات التاريخ والبيئة العامة وليس النصوص القانونية كيفما كانت قوتها.
إدريس بنيعقوب ..باحث في العلوم السياسية وعضو المنتدى الأطلسي للأمن والديمقراطية وحقوق الإنسان
Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail