وثيقتان في أسبوع واحد.. حين التقى البرنامج الحكومي بقانون المالية

✍️جاد مصلح

موعدان في 24 ساعة

في المغرب، لا ينتظر الوعد طويلا قبل أن يسأل عن ثمنه. يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 قدم البرنامج الحكومي 2026-2031 أمام مجلسي البرلمان، ويوم الثلاثاء 20 أكتوبر صادق مجلس الحكومة على مشروع قانون المالية رقم 60.26 لسنة 2027.

أربع وعشرون ساعة فقط بين الخطبة والفاتورة. كأن العريس قدم قائمة الهدايا مساء، ثم عاد صباحا بكشف الحساب البنكي.

الفارق بين الوثيقتين بسيط: البرنامج يتحدث بلغة في أفق 2031، والميزانية تتحدث بلغة برسم 2027. الأول يرسم القصر، والثانية تسأل بهدوء: ومن سيدفع ثمن الطوب؟

المليون الذي ذهب ليشتري الخبز ولم يعد

في الحملة الانتخابية كان الرقم نجم السهرة: مليون منصب شغل صاف خلال الولاية، بمعدل 200 ألف سنويا، وبطالة نازلة إلى 7 في المائة في أفق 2031.

ثم جاء البرنامج الحكومي، فإذا بالمليون قد غادر القاعة بهدوء، دون أن يودعه أحد. لا عدد محدد للمناصب، ولا هدف رقمي للبطالة، ولا وعد بزيادة عامة في الأجور.

حل محله معجم ألطف: تكوين 100 ألف شاب سنويا، و100 ألف أول تجربة مهنية، ومواكبة 60 ألف مقاولة. الشاب لن يشغل، بل سيكون ويواكب ويدمج. الفعل نفسه أصبح مبنيا للمجهول.

المفارقة أن البرنامج نفسه يذكر أن نحو 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، وأن البطالة تبلغ 29.2 في المائة لدى فئة 15-24 سنة. التشخيص دقيق حتى الفاصلة، أما العلاج فوصفة بلا جرعات.

ومشروع قانون المالية، بوفائه المعهود، نقل هذا الغموض بأمانة: إدماج الشباب أولوية من أولوياته الخمس، لكنها أولوية بلا عداد.

ألف درهم… حين تكبر الولاية

البرنامج سخي في الأرقام الاجتماعية: رفع الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، والحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، ومعاش الأرملة من 50 إلى 100 في المائة.

لكن اقرأ السطر الصغير: الألف درهم عند نهاية الولاية، والمعاشات بالرفع التدريجي. الوعد مثل القطار فائق السرعة: موجود فعلا، لكن محطته الأولى سنة 2031.

ومشروع قانون المالية لسنة 2027 يتحدث بدوره عن الرفع من قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، دون أن يخبرنا في بلاغاته الأولى بكم. المواطن يعرف النقطة الأولى والنقطة الأخيرة، وما بينهما سلم بلا درجات.

أما إعادة الاستهداف على أساس الدخل الفعلي، فعبارة تبدو تقنية بريئة. لكن المستفيد المتمرس يفهمها جيدا: قد يرتفع المبلغ، وقد تضيق اللائحة في الوقت نفسه.

والأجور؟ لا زيادة عامة معلنة، بل إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل بلا أشطر ولا معدلات. الأجير مدعو إلى التفاؤل، لا إلى الحساب.

النمو: العداء يبدأ بالمشي

البرنامج يعد بنمو متوسطه 5 في المائة سنويا بين 2027 و2031، وعجز في حدود 3 في المائة، ومديونية نازلة إلى نحو 62 في المائة من الناتج.

أما فرضيات مشروع قانون المالية، كما نقلتها الصحافة، فتنطلق بنمو 4.1 في المائة سنة 2027، بعد 4.7 متوقعة في 2026. أي أن العداء الذي وعدنا به ماراثونا يبدأ بخطوة إلى الوراء.

حساب بسيط لا يحتاج إلى مكتب دراسات: إذا بدأنا بـ 4.1، فعلى السنوات الأربع المتبقية أن تحقق في المتوسط أكثر من 5.2 في المائة لإنقاذ المعدل. التلميذ الذي ينال أقل نقطة في الفرض الأول يعرف هذا الشعور جيدا.

وبين الوثيقتين نقطة اتفاق مؤثرة: العجز في حدود 3 في المائة. أي أننا سنضاعف الدعم ونرفع المعاشات ونمول السيادة، دون أن يتحرك العجز شعرة. معجزة محاسباتية تستحق براءة اختراع.

للإنصاف: الدفاع عن هذه المعادلة ممكن، فالوعود الكبيرة موزعة على خمس سنوات، والنمو قد يتسارع مع أوراش 2030. لكن المواطن لا يعيش في متوسط خماسي، بل يعيش الشهر بشهره.

كل شيء سيادي إلا القفة

إذا كانت للوثيقتين كلمة مفضلة فهي السيادة. البرنامج يجعلها أولوية استراتيجية، والميزانية توزعها بالعدل: سيادة مائية، وطاقية، وغذائية، ورقمية.

بقيت سيادة واحدة لم تذكر: سيادة المواطن على قفته في السوق. وهنا تعد الميزانية بإصلاح هيكلي للأسواق والأسعار، وهي عبارة سمعها المغاربة حتى صارت جزءا من الديكور.

وكلتا الوثيقتين تفتتح بالتمهيد نفسه تقريبا: صراعات جيوسياسية، ونزعات حمائية، ومنافسة على الطاقة والتكنولوجيا والتمويل. العالم مضطرب دائما في الفقرة الأولى، ومستقر دائما في جدول الفرضيات.

وفي البرنامج أولوية اسمها محاربة الفساد والريع. لن نبحث عن سطرها في الميزانية، فالفساد معروف بأنه لا يكافح بالاعتمادات، بل بالنتائج. وهذا بالضبط ما يجعله أرخص بند في أي برنامج.

الخلاصة: موعدنا في أكتوبر المقبل

البرنامج الحكومي هو الوعد، ومشروع قانون المالية هو القسط الأول من الوفاء به. والقسط الأول هذا توقيع بالحروف الأولى أكثر منه دفعا نقديا.

لا شيء في الوثيقتين يناقض الآخر صراحة. المشكلة أنهما تتفقان كثيرا على العناوين، وقليلا على الأرقام الوسيطة التي تسمح بالمحاسبة سنة بسنة.

وما دام النص الآن أمام البرلمان، فالفرصة قائمة لسؤال بسيط: كم منصب شغل، وكم درهم في الدعم، وكم نقطة من البطالة، في 2027 تحديدا؟

حتى ذلك الحين..
سيبقى المواطن مثل من اشترى تذكرة لمباراة 2031..
وقيل له إن الملعب ما زال في مرحلة التوجهات الكبرى.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
 ⟲    ➴