«يا رئيسة الحكومة.. المغاربة لا يريدونك سيبويه العصر!»
«تحدثي بمراكشيتك الجميلة.. فقد أتقنت حكومة أخنوش رفع الأسعار ونصب الوعود فمتى يحين وقت الإنجاز؟»
✍️صليحة بجراف
لم يكن المغاربة، وهم يتابعون تقديم البرنامج الحكومي الاثنين أمام البرلمان، ينتظرون حصة في النحو والصرف، ولا مسابقة في مخارج الحروف، بل كانوا ينتظرون معرفة ما تخبئه لهم الحكومة من وعود وحلول، لكن تعثرات فاطمة الزهراء المنصوري في قراءة النص بالعربية الفصحى سرقت الأضواء من مضمون البرنامج، وتحولت عبارات مثل «الهوية الهاوية» و«الوعا»، المتداولة في سياق الحديث عن «الوعاء الضريبي»، إلى مادة للتعليقات الساخرة على فيسبوك وتيك توك(..)، وهكذا، وجد البرنامج الحكومي نفسه في منافسة غير متوقعة مع قاموس الأخطاء المتداولة!.
يا رئيسة الحكومة، لقد استبشر المغاربة بتعيينك، باعتبارك أول امرأة تتولى هذا المنصب، وكان كثيرون يأملون أن تحمل تجربتك النسائية نفسا جديدا في تدبير الشأن العام، وأن تثبتي أن المرأة قادرة على الجمع بين حسن التدبير وقوة القرار، لكنهم في المقابل لا ينتظرون منك أن تكوني فصيحة اللسان بقدر ما ينتظرون أن تكوني واضحة في الوعود، دقيقة في القرارات، وقريبة من همومهم.
فهم لا يهمهم إن خاطبتِهم بفصحى سيبويه أو بدارجة مراكشية أصيلة، بقدر ما يهمهم أن تفهمي معاناتهم قبل أن تطلبي منهم فهم برنامجك! فالمشكل ليس في لكنتك المراكشية الجميلة، التي نعتز بها جميعا، بل في أن تتحول أول إطلالة رسمية لك إلى حديث عن التعثر في القراءة، بدل أن تكون مناسبة لإقناع المغاربة بما ينتظرهم من إصلاحات وإنجازات.
فالمغاربة يفهمون لغة القلب قبل لغة القواعد، ويعرفون أن قيمة المسؤول ليست في حركات الإعراب، بل في تحريك عجلة التنمية، كانوا يريدون منك أن تقرئي معاناتهم كما تقرئين الأوراق، وأن تضبطي إيقاع الأسعار كما تحاولين ضبط إيقاع الكلمات، وأن تمنحي البطالة من الاهتمام ما حظيت به بعض العبارات من تداول! لكن المفارقة التي تستحق الوقوف عندها هي أن الأمر يتعلق بمسؤولة ومحامية في الأصل، راكمت سنوات من التجربة الحكومية، وليست وافدة جديدة على دهاليز السياسة، فبعد كل تلك السنوات، كان يفترض أن يكون تقديم خطاب مكتوب أمام البرلمان مناسبة عادية من حيث الاستعداد، لا حدثا يفتح باب التساؤلات حول التحضير والمراجعة والتدريب.
فلقب «بنت الصالحين»، لا يحتاج إلى مكبر صوت، ولا إلى ألقاب ترفع فوق الرؤوس، إنه يقاس بالعلم والعمل والأخلاق. وفي بيوت مغربية كثيرة، يربى الأبناء على القرآن الكريم واللغة العربية باعتبارهما جزءا من الهوية والثقافة، لكن لا أحد يرث الفصاحة مع النسب، ولا تمنح الكفاءة بشهادة عائلية. فالهوية لا تحمى بالألقاب وحدها، وإنما بالمعرفة والممارسة، والمسؤولية لا تثبت بما يقوله الناس عن المسؤول، بل بما يقدمه هو للناس.
والأكثر إثارة للسخرية أن تتحول أول إطلالة رسمية إلى مادة للمقاطع المتداولة، بينما كان المفترض أن يبقى البرنامج نفسه في صدارة النقاش، وقد يتساءل البعض إن كان هذا الضجيج قد صرف الأنظار عن مضمون الوعود، لكن لا دليل على أن التعثر كان مقصودا، المؤكد أن الجدل حول الإلقاء طغى على جزء من النقاش العام.
وهنا تكمن المفارقة، بدل أن ينشغل الناس بكيفية ترميم قفتهم وإصلاح التعليم والصحة وتوفير فرص الشغل…واللائحة طويلة، أصبحوا يتداولون عبارات الخطاب وكأنهم يصححون فرضا مدرسيا!، ومع ذلك، لنكن منصفين، ليس كل من تعثر في قراءة نص عاجزا عن إدارة شؤون البلاد، كما أن الفصاحة وحدها لا تصنع حكومة ناجحة، لكن الاستعداد للمناسبات الرسمية جزء من المسؤولية، مثلما أن الوفاء بالوعود جزء من احترام المواطنين…
المغاربة لا يريدون حكومة تتقن قراءة النصوص فقط، بل حكومة تقرأ الأرقام الاقتصادية دون أن تحتاج إلى تأويل، وتقرأ واقع الشباب دون أن تخلط بين طموحاتهم ووعود الانتخابات، وتقرأ معاناة الأسر قبل أن تطلب منها الصبر خمس سنوات أخرى.
أما الخاتمة التي تستحقها هذه الحكاية، فهي أن المغاربة لا يريدون رئيسة حكومة تتقن إعراب الكلمات بقدر ما يريدون حكومة تعرب عن نواياها بالأفعال!.. لا نريد برنامجا فصيحا على الورق وأعجميا في التطبيق، ولا وعودا مرفوعة بالضمة ونتائج منصوبة على المواطنين… وإذا كانت «الهوية الهاوية» قد خطفت الأضواء، فالأمل ألا تصبح القدرة الشرائية هي الأخرى «القدرة الهاوية»، وألا تتحول الوعود الحكومية إلى «وعا» طويل لا يعرف المغاربة متى ينتهي!.


































اترك تعليقاً