«طار ليها الفريخ »..حين يصبح الجهل عبئا إضافيا على المعاناة النفسية

*✍️فاطمة الجوهري

ليست قيمة المسرح في قدرته على الإمتناع ومنح لحظات من الإنتشاء ، بل أيضا في قدرته على طرح الأسئلة المجتمعية وتعرية بعض الحقائق التي نصر على جعلها في خانة الطابوهات، لا نغفل عنها و لكن نواريها بأحكامنا المسبقة و بخوفنا من ردة فعل الآخرين تجاه هذه الحقائق.

والمناسبة هنا العرض المسرحي«طار ليها الفريخ » الذي قدمته فرقة محترف الفدان للمسرح بالمركز الثقافي تباريكت بسلا في إطار عروضها المدعومة من طرف قطاع الثقافة.

فإضافة إلى القيمة الجمالية للعرض الذي قام بإخراجه الفنان عادل أبا تراب و ألفه أحمد السبياع، تفتح المسرحية بابا للتأمل في واقع المريض النفسي داخل مجتمع قد لا يفهم معاناته، فيختزلها في أحكام جاهزة، أو يتعامل معها بسخرية، أو يجعل من هشاشته فرصة للاستغلال.

فمن زاوية مقاربة نفسية إجتماعية الإشكال هنا لا يكمن في طبيعة الإضطراب النفسي بحد ذاته، بل قد تتفاقم المعاناة حين يواجه المريض بيئة تفتقر إلى الوعي، وتخلط بين المرض والضعف، وبين الاضطراب النفسي وفقدان القيمة الإنسانية.

إن الجهل بالصحة النفسية لا يكتفي بإساءة فهم المريض، و إنما قد يتحول للحرمان من الحق في العلاج، كما قد يجعله أكثر عرضة للوصم والتهميش والاستغلال، بدل أن يجد في محيطه مصدرًا للأمان والدعم.

في مسرحية «طار ليها الفريخ » نواجه صدمة أولى عبر سيميائية العنوان الذي يستمد تيمة أو مفهوما شائعا داخل مجتمعنا المغربي لم يجد المؤلف حرجا في توظيفه إستفزازا للمتلقي ، غير أن السؤال الحقيقي الذي لا يمكن أن نواريه: ماذا نقصد في مجتمعنا ب«طار ليها الفريخ »؟ وما هو الفريخ الذي يطير؟ وإن طار أن يذهب؟ و هل فعلا المريض النفسي طار ليه الفريخ ؟  تساؤلات ستستغرق الإجابة عنها الكثير من إسالة المداد غير أني سأكتفي بطرحها بدوري مستفزة فطنة القارئ و المجتمع الذي أفرز هذا المفهوم .

ثم تمضي المسرحية لنكتشف شخوصها سي إدريس أحد الأشخاص الذي يتولى مكانة مرموقة في المجتمع، وزوجته رقية التي تعاني اضطرابات نفسية حولها لعبئ على هذا الشخص، الذي يرفض الإقرار كون زوجته تعاني مرضا نفسيا، ثم لتتحول فيما بعد لنقطة ضعفه سيستغلها إعلام التشهير لفضح سي إدريس و ابتزازه.

يطرح العرض المسرحي أسئلة جوهرية: هل يعاني المريض النفسي من إضطرابه فقط؟ أم يعاني كذلك من أحكام المجتمع؟ ومن نظرة و تعامل  الآخرين؟ ومن الخوف المقربين أو حتى من تذمرهم و إستيائهم؟.

وجب التذكير دائما بأن  حوالي 48.9% من المغاربة البالغين (أي ما يعادل نحو 6.5 مليون شخص، من بينهم 2 مليون طفل وشاب) يعانون أو سبق لهم أن عانوا من اضطرابات نفسية أو عقلية في فترة ما في حياتهم، و هي معطيات رسمية صادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

وبالتالي إن نشر الوعي بالصحة النفسية ليس ترفا مجتمعيا، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون واجبا على مؤسسات الدولة المعنية،  فالمريض النفسي ليس مجرد حالة مرضية، بل إنسان له كرامته وحقوقه، ويستحق الفهم والاحتواء والرعاية المتخصصة.

فحين نجهل حقيقة المرض النفسي، قد نتحول، دون وعي، من جزء من الحل إلى جزء من المعاناة.

*(أخصائية نفسية إكلينيكية)

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
 ⟲    ➴