حين تتفوق فاطمة المنصوري على غولدا مائير.. 

✍️جاد  مصلح
في عالم السياسة، لا شيء يمنحك شرعية أسرع من مقارنة نفسك بإسرائيل.
 سؤال بريء: ما القاسم المشترك بين حزب “البام” المغربي ودولة إسرائيل؟ الجواب الصادم: كلاهما أنجب امرأة وصلت إلى رئاسة الحكومة، لكن الفارق الزمني بينهما يجعل المرء يشك في جدوى التاريخ نفسه.
أولاً: الأرقام لا تكذب (لكنها تتفلسف)
تأسس حزب الأصالة والمعاصرة في غشت 2008، ووصلت فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة في شتنبر 2026، أي بعد 18 عاماً فقط من تأسيس الحزب.
في المقابل، تأسست دولة إسرائيل في 14 مايو 1948، ووصلت غولدا مائير إلى رئاسة الوزراء في 17 مارس 1969، أي بعد 21 عاماً من قيام الدولة.
ثلاث سنوات فرق. ثلاث سنوات فقط تفصل بين “المعجزة” المغربية و”المعجزة” الإسرائيلية. وكأن التاريخ يقول: “اسكتوا يا مؤرخين، الحساب بسيط”.
ثانياً: الظروف.. من “الاحتلال” إلى “التفويض الملكي”
غولدا مائير وصلت إلى الحكم في دولة “فتية غارقة في صراع عنيف”، بعد سنتين فقط من حرب الأيام الستة، وتحديداً بعد وفاة ليفي إشكول. أي أنها جاءت في لحظة وجودية، حيث كانت إسرائيل تقاتل من أجل البقاء.
فاطمة المنصوري وصلت إلى الحكم بعد انتخابات تشريعية تصدر فيها حزبها بـ97 مقعداً..دستوريا و عرفا  أنها جاءت في لحظة ديمقراطية.. حيث كان الجميع يبتسم للكاميرات.
لكن السخرية الحقيقية: غولدا مائير كانت واحدة من الموقعين على إعلان استقلال إسرائيل، المرأة الوحيدة بين الموقعين. فاطمة المنصوري، في المقابل، لم توقع على إعلان تأسيس “البام”. ربما لأن الحزب تأسس قبل أن تصل إلى القيادة..
غولدا مائيرزعيمة حزب العمل الصهيونى، ورابع رئيس وزراء للحكومة الصهيونية من 1969 حتى 1974، لقبها الغربيون “بأم إسرائيل الحديثة”
ثالثاً: “المرأة الوحيدة في الغرفة” ضد “المرأة المدعومة من الغرفة”
كانت تُوصف بـ”المرأة الوحيدة في الغرفة”، وقد واجهت اعتراضاً رسمياً من أعضاء الكنيست الحديديين الذين خافوا أن “تقلل من قوة الردع الإسرائيلية”. أي أنها وصلت إلى الحكم رغم أنف المتشككين.
فاطمة المنصوري، في المقابل، وصلت إلى الحكم بدعم كامل من حزبها. المجلس الوطني لـ”البام” فوضها “بالإجماع” لتدبير مفاوضات تشكيل الحكومة، ووصف تعيينها بأنه “لحظة تاريخية لتعزيز مكانة المرأة المغربية”.
الفرق واضح: غولدا مائير كانت “المرأة الوحيدة في الغرفة”، وفاطمة المنصوري هي “المرأة التي بنت الغرفة”. أو كما يقول المثل: “إذا لم تجد مقعداً في الطاولة، اصنع طاولة جديدة”.
رابعاً: الإرث.. “السيدة الحديدية” ضد “المنسقة الوطنية”
غولدا مائير حكمت من 1969 إلى 1974، وقادت إسرائيل عبر حرب أكتوبر 1973، وتركت إرثاً معقداً: “السيدة الحديدية” التي لا تتردد، لكنها أيضاً التي تحملت مسؤولية الفشل الاستخباراتي.
فاطمة المنصوري، في المقابل، لا تزال في بداية الطريق. لكنها تحمل لقباً لا يحمله أحد غيرها: أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب. وهذا وحده يكفي ليدخل التاريخ من بابه الواسع.
خامساً: الدروس المستفادة (لو كان هناك درس)
إذا كان هناك درس واحد من هذه المقارنة، فهو أن المرأة تصل إلى السلطة في كل مكان، لكن الظروف تختلف.
غولدا مائير وصلت في زمن الحرب، وفاطمة المنصوري وصلت في زمن “الاستقرار”. غولدا مائير كانت “المرأة الوحيدة”، وفاطمة المنصوري هي “المرأة الأولى”.
لكن السؤال الساخر يبقى: هل كان المغرب بحاجة إلى 18 عاماً من “البام” ليكتشف أن المرأة يمكنها أن تحكم؟ أم أن الأمر لم يكن سوى مسألة وقت، والوقت في السياسة المغربية ليس إلا مسألة “تفويض”؟..
في النهاية، كل الطرق تؤدي إلى روما. أو إلى الرباط. أو إلى القدس إيغوشليم.. والنساء، في كل هذه المدن، يصلن إلى الحكم. لكن في بعض المدن، يصلن بسرعة أكبر. وفي بعضها، يصلن بشكل أكثر دراماتيكية. وفي المغرب، وصلن بشكل… “تاريخي”.
والسخرية الكبرى: أن غولدا مائير لم تكن نسوية، بل “خرجت أكثر من مرة بتصريحات ضد الحركة النسوية”. أما فاطمة المنصوري، فهي تُوصف بأنها “إنصاف لجهود نساء المغرب”. أي أن الأولى وصلت رغم أنها لم تطلب، والثانية وصلت لأنها طلبت. وهذه، في نهاية المطاف، هي قصة السياسة: من يطلب، يحصل. ومن لا يطلب، يُصبح “أيقونة” رغم أنفه.
Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
 ⟲    ➴