بنكيران و العزوبية السياسية: حين يتحول عجز المشاركة إلى بطولات وهمية

✍️ الدكتور يوسف الغزيزال

إن الممارسة السياسية الرشيدة تحتم قراءة موازين القوى الدستورية والواقعية بموضوعية بعيداً عن الوهم الحزبي، إذ تتقاطع الخطابات الشعبوية أحياناً مع سلوكيات نفسية تتسم بالإنكار السياسي، حيث يُلجأ إلى تسويق الرفض الافتراضي باعتباره خياراً إرادياً لستر عجز المشاركة الفعلية.

وفي هذا السياق، تطالعنا تصريحات زعيم حزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران بشأن التحالفات وتشكيل الحكومات، لتجسد إسقاطاً بليغاً لتلك الحكاية الشعبية عن امرأة قبيحة لم يكن أحد يطرق بابها، فقررت أن تكتب على الباب عبارة لا أريد الزواج، ثم جمعت حولها كل من هن في نفس الوضع ليقنعن أنفسهن بأن العزوبية قرار طوعي، وهو نفس المنطق الذي يحكم مقاربة الحزب اليوم حين يدرك مسبقاً محدودية فرصه وحجمه الانتخابي الحقيقي في ظل تحولات المشهد المؤسساتي، ليصبح من الأسهل سياسياً الادعاء بعدم الرغبة في الدخول إلى أي تركيبة حكومية يقودها هذا الطرف أو ذاك، متجاهلاً أن الأحكام الدستورية لتشكيل الأغلبية الحكومية ترتكز على مخرجات صناديق الاقتراع والقبول المتبادل بين الفرقاء الحزبيين لا على الإملاءات الانفرادية.
إن المنطق الديمقراطي وقواعد الدستور لا يعترفان بالرفض الاستباقي للتحالفات قبل أن يفرز الناخبون أحجامهم الحقيقية، فالسياسة تدبير عقلاني للمصالح العامة وليست هروباً إلى الأمام عبر تبني سرديات المظلومية والتعالي غير المبرر على الواقع المؤسساتي. ومن غير المقبول قانونياً ولا سياسياً محاولة إقناع الرأي العام بأن العزوبية السياسية هي خيار استراتيجي تم اتخاذه بمحض الإرادة في وقت أغلقت فيه أبواب المشاركة الشعبية بفعل تراجع الثقة والتمثيلية، فمن لم توجه له الدعوة أصلاً للمشاركة في تدبير الشأن العام لا يمكنه قانونياً ولا أخلاقياً أن يسوق نفسه كرافض للاستحقاق، لأن العبرة في النظام الديمقراطي التمثيلية الحقيقية ومدى القدرة على حشد التوافقات لا على إطلاق الشعارات الاستعراضية خارج سياق الزمن المؤسساتي.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
 ⟲    ➴