التعاقد الحركي والمناخ: كيف نحمي المواطن قبل وقوع الكارثة؟

*✍️زهير أصدور
قراءة في التعاقد الحركي – الحلقة الحادية عشرة من 14
لم يعد التغير المناخي موضوعا يخص المؤتمرات الدولية أو تقارير الخبراء وحدهم. فحين يقل الماء، أو يضرب الجفاف الفلاحة، أو تغمر الفيضانات الأحياء والقرى، أو تصبح بعض المناطق معزولة بسبب الثلوج أو السيول، يتحول المناخ إلى قضية تمس حياة المواطن مباشرة.
ومن هنا ينطلق محور مواجهة التغيرات المناخية في «التعاقد الحركي»: الانتقال من سياسة تنتظر الكارثة حتى تقع، ثم تبحث عن الإغاثة والتعويض وإصلاح الأضرار، إلى سياسة تقوم على معرفة الخطر مسبقا والاستعداد له وتقليص آثاره.
والسؤال بسيط: لماذا ننتظر الفيضان حتى يهدم الطريق، أو الجفاف حتى يهدد المحصول، أو السيول حتى تصل إلى المساكن، إذا كانت المعرفة والتكنولوجيا والتخطيط تسمح بتقدير جانب كبير من هذه المخاطر قبل وقوعها؟
لهذا يقترح التعاقد إعداد خريطة وطنية للمخاطر المناخية تصل إلى المستوى المحلي، وتحدد المناطق الأكثر تعرضا للجفاف والفيضانات وندرة المياه وارتفاع الحرارة وتآكل التربة وزحف الرمال وغيرها من الظواهر المناخية.
ولا يراد لهذه الخريطة أن تبقى وثيقة تقنية داخل الإدارة، بل أن تصبح مرجعا في التخطيط الترابي، وتوجيه الاستثمار العمومي، وتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل وقائي أكبر.
لكن معرفة الخطر وحدها لا تكفي. لذلك يربط «التعاقد الحركي» هذه الخريطة بأنظمة للإنذار المبكر تسمح بتنبيه السلطات والسكان واتخاذ الإجراءات الوقائية كلما أمكن ذلك، كما يقترح تعبئة موارد لتمويل الوقاية وتقوية البنيات الأساسية في المناطق الأكثر تعرضا للمخاطر.
وهنا يظهر البعد الذي يمكن أن نسميه العدالة المناخية. فالكارثة قد تكون واحدة، لكن القدرة على مواجهتها ليست واحدة.
فالأسرة الموجودة في منطقة مجهزة وقريبة من المستشفى وشبكات النقل ليست في الوضع نفسه الذي تعيشه أسرة في دوار جبلي قد يصبح معزولا بمجرد انهيار مسلك أو قنطرة.
والفلاح الذي يتوفر على إمكانات للتكيف مع موسم جفاف ليس كالفلاح الصغير الذي قد يفقد مصدر رزقه كله بسبب نقص المياه.
لهذا فإن العدالة المناخية لا تعني فقط توزيع الموارد بالتساوي، بل توجيه جهد أكبر إلى المناطق والفئات الأكثر هشاشة، بحسب درجة تعرضها للمخاطر وقدرتها على مواجهتها.
وينتقل التعاقد بعد ذلك من استباق الخطر إلى بناء القدرة على الصمود أمامه.
فالطريق التي يعاد إصلاحها بعد كل فيضان ليست حلا دائما، كما أن المنشآت التي لا تراعي التحولات المناخية قد تتحول مع مرور الوقت إلى مصدر كلفة إضافية أو خطر على السكان.
لذلك يدعو التعاقد إلى تأهيل الطرق والجسور والسدود والمدارس والمستشفيات والمنشآت العمومية في المناطق المعرضة للمخاطر، واعتماد معايير تجعل المشاريع الجديدة أكثر قدرة على مقاومة الظواهر المناخية المتطرفة، إلى جانب تأهيل الأودية وأنظمة تصريف المياه وتفادي التوسع العمراني في المجالات الأكثر عرضة للخطر.
غير أن أكثر ما يجعل التغير المناخي قضية يومية بالنسبة إلى المغرب هو الماء. فالأمن المائي لم يعد ملفا قطاعيا يهم إدارة بعينها، بل أصبح مرتبطا مباشرة بالفلاحة والغذاء والاستثمار والسكن واستقرار السكان ومستقبل مناطق بكاملها.
ومن هنا يقترح «التعاقد الحركي» الجمع بين عدد من الحلول: تحلية مياه البحر، وتوسيع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وتطوير تقنيات الري المقتصدة للماء، وتحسين تدبير وتوزيع الموارد المائية بين الجهات والقطاعات.
كما يربط السياسة المائية بالاختيارات الزراعية، من خلال تشجيع الزراعات الأكثر قدرة على التكيف مع الجفاف، والحد من الهدر، ومراعاة قدرة كل منطقة على تحمل الضغط على مواردها المائية.
وهذه النقطة تربط المناخ مباشرة بالأمن الغذائي، من دون أن تعيد فتح النقاش الذي سبق تناوله في حلقة مستقلة: فلا يمكن حماية الإنتاج الغذائي على المدى البعيد إذا لم نحسن إدارة الماء والتربة ونكيف نمط الزراعة مع واقع مناخي يتغير.
كما يعطي التعاقد للنظم الطبيعية نفسها دورا في الحماية، من خلال صيانة الغابات والواحات والمناطق الرطبة وتقوية الغطاء النباتي، باعتبارها جزءا من منظومة الصمود في مواجهة الجفاف والسيول وتدهور التربة.
والأهم أن المناخ، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يبقى قطاعا معزولا عن بقية السياسات العمومية.
فالمدينة التي نبنيها اليوم، والطريق التي نشيدها، والمدرسة والمستشفى والسد والمشروع الفلاحي الذي نموله، كلها قرارات ستعيش لعقود داخل واقع مناخي مختلف عما كان عليه الأمر في السابق.
ومن هنا تأتي أهمية إدماج الاعتبار المناخي في التعمير والنقل والفلاحة والطاقة والاستثمار العمومي، حتى يصبح الاستعداد للمخاطر جزءا من القرار قبل تنفيذ المشروع، لا مجرد تدخل لإصلاحه بعد وقوع الضرر.
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بسياسة بيئية فقط. إنه تغيير في طريقة اتخاذ القرار العمومي: من معالجة النتائج إلى استباق المخاطر، ومن إعادة البناء بعد الكارثة إلى الاستثمار في الوقاية، ومن توزيع الموارد وفق منطق موحد إلى توجيهها حيث يكون الخطر أكبر والحاجة أشد.
فالرهان الحقيقي ليس أن نثبت في كل مرة قدرتنا على التحرك بعد فيضان أو جفاف أو موجة حر.
الرهان أن نبني بلدا تقل فيه الخسائر عندما تقع الكوارث، وتكون فيه البنيات أكثر قدرة على الصمود، ولا يترك فيه المواطن الأكثر هشاشة وحده في مواجهة آثار تغيرات تتجاوز قدرته الفردية على مواجهتها.
وهنا يصبح الصمود المناخي جزءا من العدالة الاجتماعية والمجالية، ويصبح الأمن المائي جزءا من الأمن الوطني، ويصبح التخطيط للمناخ تخطيطا لمستقبل المغرب نفسه.
وفي الحلقة المقبلة، ننتقل إلى محور تمكين المرأة، من خلال الاستقلال الاقتصادي، والحماية من العنف والتمييز، وتعزيز حضورها في مواقع القرار.
*(عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية)


































اترك تعليقاً