التعاقد الحركي والقدرة الشرائية: كيف نحمي المواطن من الغلاء؟

*✍️زهير أصدور

قراءة في التعاقد الحركي – الحلقة الأولى من 14

اختارت الحركة الشعبية، وهي تدخل محطة انتخابية جديدة من مسارها الممتد على مدى سبعة عقود، أن تقدم للمغاربة «التعاقد الحركي»، باعتباره تصورا يقوم على سبعين إجراء عمليا، في إحالة رمزية إلى سبعة عقود من المسار الحركي، موزعة على أربعة عشر محورا تلامس أهم القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمجالية والحقوقية.

وليست قيمة أي برنامج سياسي في كثرة وعوده، وإنما في قدرته على تشخيص المشكلات التي يعيشها المواطن واقتراح أجوبة عملية بشأنها. ومن هذه الزاوية، تبدو القدرة الشرائية مدخلا طبيعيا لقراءة التعاقد الحركي، لأنها أصبحت واحدة من أكثر القضايا التصاقا بالحياة اليومية للمغاربة.

فالغلاء لم يعد مجرد رقم في تقارير التضخم، بل أصبح سؤالا داخل كل بيت: كم تكلف قفة الأسرة؟ وماذا يبقى من الأجر أو المعاش بعد أداء مصاريف السكن والماء والكهرباء والنقل والعلاج والتعليم؟ ولماذا ترتفع أسعار بعض المواد بين المنتج والمستهلك بشكل لا يعكس دائما كلفة إنتاجها؟

ينطلق التعاقد الحركي في هذا المجال من فكرة أساسية: حماية القدرة الشرائية لا تعني فقط مساعدة المواطن على تحمل الغلاء، وإنما تقتضي أيضا معالجة جزء من الأسباب التي تنتجه. فالمقاربة هنا لا تستهدف السعر وحده، وإنما السلسلة التي تصنعه من الإنتاج إلى التوزيع.

ولهذا يقترح المحور الأول خمسة إجراءات مترابطة، أولها إحداث منصة وطنية لتتبع الأسعار، بما يسمح برصد تطورات السوق، وكشف الاختلالات، والتمييز بين ارتفاع تفرضه الكلفة أو الظروف الدولية، وارتفاع تصنعه المضاربة أو اختلالات التوزيع.

ويأتي ثانيا تحصين دخل الأسر والطبقة الوسطى والمتقاعدين. فالقدرة الشرائية لا تتحدد فقط بما يوجد في السوق، وإنما كذلك بما يوجد في جيب المواطن. ومن ثم، لا يمكن فصلها عن السياسة الضريبية، والأجور، والمعاشات، وكلفة الخدمات الأساسية.

أما الإجراء الثالث فيتعلق بما يسميه التعاقد «الهدنة التصديرية» عند الضرورة، أي إعطاء الأولوية للسوق الوطنية عندما تعرف بعض المنتجات الأساسية خصاصا حادا أو ارتفاعا استثنائيا في الأسعار. فالتصدير ضرورة اقتصادية، لكنه ينبغي أن يظل متوازنا مع ضمان حاجيات السوق الوطنية.

ويراهن التعاقد كذلك على تقوية المخزون الاستراتيجي من المواد الغذائية والطاقة والمنتجات الصحية الأساسية. فقد أثبتت الأزمات الدولية واضطرابات سلاسل التوريد أن الأمن الاقتصادي لم يعد ينفصل عن قدرة الدولة على الاستباق والتدخل قبل أن يتحول الخصاص إلى أزمة أسعار.

ويبقى الإجراء الخامس مرتبطا بواحد من أكثر الملفات حساسية، وهو إصلاح أسواق الجملة ومسالك التوزيع. فالمفارقة التي يعيشها السوق أحيانا أن الفلاح يبيع منتوجه بثمن ضعيف، بينما يصل المنتج نفسه إلى المستهلك بثمن مضاعف، دون أن يستفيد المنتج الصغير من هذا الفارق.

ولهذا يصبح تقليص حلقات الوساطة، وتحديث الأسواق، والرقمنة، وتتبع مسار المنتجات، وتشجيع البيع المباشر والتعاونيات، جزءا أساسيا من أي سياسة حقيقية لحماية المستهلك والمنتج معا.
وتكشف هذه الإجراءات الخمسة عن فلسفة واضحة: القدرة الشرائية لا تحمى بالشعارات، بل بإصلاح السوق والدخل والتوزيع والاستباق في الوقت نفسه.

وبطبيعة الحال، لا يمكن لأي حزب سياسي أن يعد المواطنين بأن الأسعار لن ترتفع أبدا، لأن المغرب يتأثر بدوره بالطاقة والجفاف والحروب والأسواق الدولية. لكن الممكن سياسيا هو ألا يترك المواطن وحيدا أمام هذه التقلبات، وألا تتحول الأزمات إلى فرصة للمضاربة، وألا يبقى الفرق الكبير بين ثمن الإنتاج وثمن الاستهلاك بلا تفسير أو رقابة.
فالقدرة الشرائية ليست مجرد مؤشر اقتصادي، وإنما هي في النهاية قدرة الأسرة على الحفاظ على توازنها وكرامتها في نهاية كل شهر.

يتبع: الحلقة الثانية — الأمن الغذائي: ماذا نزرع، ولمن ننتج؟

*(عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية)

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail