رصاصات أوزين المكتوبة: حين ينقلب السياسي على “فراقشي الإعلام”
✍️ الدكتور يوسف الغزيزال
يجدد الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، السيد محمد أوزين، هجومه الكاسح على إدريس شحتان، في معركة كلامية مفتوحة تجاوزت حدود التنافس السياسي المعتاد لتلامس عمق أزمة المشهد الإعلامي والرقمي في المغرب.
لم يعد الأمر مجرد رد فعل عابر على مقال، بل تحول إلى محاكمة علنية لنوع من الممارسات الصحفية التي تتخذ من الإثارة والتشهير وصناعة “التريند” بضاعة لابتزاز الفاعلين وتحويل النقاش العمومي إلى فرجة رخيصة.
في هذا السجال المحتدم، يدافع أوزين عن موقعه الحزبي والسياسي مستنداً إلى معجم لاذع يصف خصمه بأوصاف قاسية، معتبراً أن لجوء الطرف الآخر إلى النبش في العائلات واستجداء التضامن الرقمي ليس سوى دليل ساطع على عجز تام عن مجاراة الأفكار بالحجة ومقارعة البرامج بالحجة السياسية الرصينة.
يكشف التراشق القائم عن خلل بنيوي عميق يعاني منه الحقلان السياسي والإعلامي على حد سواء، حيث يحذر أوزين من خطورة استغلال الهشاشة الاجتماعية والتركيز على الخصوصيات لحجب الرؤية عن القضايا الحقيقية للوطن والمواطن. بالنسبة لقيادي “السنبلة”، فإن محاولات التشويش وإحداث الضجيج مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لن تنجح في تضليل رأي عام مغربي أصبح أكثر وعياً ونضجاً في التمييز بين من يقدم بدائل حقيقية في التعليم والصحة والتشغيل وبين من يقتات على ترويج التفاهة والفضائح المفتعلة.
يرفض أوزين بشدة أن يتحول الفضاء العمومي إلى سوق للمقايضة، مؤكداً أن معركة حزبه مستمرة بلا هوادة ضد كل أشكال الانحدار القيمي والأخلاقي، ومشدداً على أن الولاء الحقيقي للوطن لا يثبت بالشعارات الظرفية بل باحترام المؤسسات وصون كرامة المواطنين.
يعكس هذا الصدام المحتدم بين قيادي حزبي بارز وفاعل إعلامي يدعي الانتشار أزمة ثقة متصاعدة تتهدد أسس النقاش العمومي في المغرب، حيث باتت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي مسرحاً لتصفية الحسابات على حساب القضايا التنموية الكبرى.
إن تحويل الخلافات الفكرية والسياسية إلى معارك شخصية واستعراضية يفرغ العمل الاعلامي من محتواه الرصين، ويُكرس حالة من العزوف المجتمعي عن متابعة الشأن العام، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعبئة شاملة حول أولويات الإصلاح المؤسساتي والاقتصادي.
من منظور أوسع، يضع هذا السجال المجلس الوطني للصحافة والهيئات المهنية أمام مسؤوليات تاريخية وجسيمة لحماية أخلاقيات المهنة وصون شرف العمل الصحفي من الانزلاق نحو الابتزاز والتشهير. فحين تذوب الحدود الفاصلة بين حرية التعبير الملتزمة بالمسؤولية وبين الترويج الممنهج للفضائح، يصبح لزاماً على الفاعلين المؤسساتيين والقضائيين التدخل بحزم لإرساء قواعد واضحة تعيد الاعتبار للصحافة الجادة، وتمنع تحويل الفضاء الرقمي إلى حلبة مباحة لتسليع الأعراض واستجداء الشعبوية الرخيصة.

































